اصول الشيعه لاستنباط احكام الشريعة - اليوسفي، الشيخ محمّد حسين - الصفحة ٤٢ - المقام الأوّل في التجرّي
قياس الاستنباط، وأنتم جعلتموها في المقام صغرى هذا القياس.
وثانياً: أنّ للعقل أحكاماً مستقلّةً متقدّمة على حكم الشرع، كحسن العدل وقبح الظلم، وأحكاماً متأخّرة عنه، متوقّفة عليه، كحسن الطاعة وقبح المعصية. والملازمة بين حكمه وبين حكم الشرع إنّما هي في القسم الأوّل، فإنّ الشرع يحكم بحرمة الظلم مثلًا بملاك قبحه العقلي.
وأمّا القسم الثاني فلا مجال لقاعدة الملازمة فيه، لأنّا لو أغمضنا عن استلزامها التسلسل [١] لكانت مستحيلةً من جهة اخرى، وهي أنّها تستلزم أن تصير معصية واحدة معصيتين [٢] ويستحقّ من ارتكبها عقوبتين، لأنّ الشارع إذا حكم بحرمة الخمر مثلًا، ثمّ عصاه المكلّف وشرب خمراً حكم العقل بقبح العصيان، فلو حكم الشارع بحرمته عقيب حكم العقل بقبحه لاستحقّ شارب الخمر عقابين، لارتكابه محرّمين: أحدهما: شرب الخمر الذي صرّح الشارع بحرمته، والثاني: معصية اللَّه التي استكشفنا حرمتها الشرعيّة بتبع حكم العقل بقبحها، وهل يمكن الالتزام بذلك؟!
فلابدّ من القول بأنّ قاعدة «كلمّا حكم به العقل حكم به الشرع» تختصّ
[١] توضيحه: أنّ قاعدة «كلّما حكم به العقل حكم به الشرع» لو جرت مطلقاً حتّى في القسم الثاني، لاستلزم التسلسل، لأنّ العقل يحكم عقيب كلّ حكم شرعي بقبح معصيته، فإذا حكم الشارع بحرمة شرب الخمر حكم العقل بقبحه بعنوان أنّه معصية المولى، فلو حكم الشارع بحرمته مرّةً ثانية بعنوان المعصية لأجل قاعدة «الملازمة» لحدث موضوع آخر لحكم العقل بالقبح، فلابدّ من أن يحكم الشرع أيضاً بحرمته مرّة ثالثة، وهكذا يوجد عقيب كلّ حرمة شرعيّة قبح عقلي، وعقيب كلّ قبح عقلي حرمة شرعيّة في سلسلة غير متناهية، وهذا مضافاً إلى امتناع التسلسل، يستلزم أن تتبدّل معصية واحدة إلى معاصٍ غير متناهية، وأن يستحقّ من ارتكبها عقوبات كذلك. م ح- ى.
[٢] بل معاصي غير متناهية مقتضية لعقوبات غير متناهية بناءً على التسلسل، كما عرفت في التعليقة المتقدّمة. م ح- ى.