اصول الشيعه لاستنباط احكام الشريعة - اليوسفي، الشيخ محمّد حسين - الصفحة ٣٤٧ - إثبات حجّيّة الخبر الواحد ببناء العقلاء
تأخذ منهم؟ قال: بقول من رأيت أن آخذ منهم أخذت، قال: ولا تُبالي أن تخالف الباقين؟ قال: لا، قال: فهل تخالف عليّاً عليه السلام فيما بلغك أنّه قضى به؟ قال:
ربما خالفته إلى غيره منهم، فسكت أبو عبداللَّه عليه السلام ساعةً ينكت في الأرض [١]، ثمّ رفع رأسه فقال: يا عبد الرحمان فما تقول يوم القيامة إذا أخذ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله بيدك وواقفك بين يدي اللَّه وقال: أي ربِّ إنّ هذا بلغه عنّي قولٌ فخالفه؟ قال:
وأين خالفت قوله يابن رسول اللَّه؟ قال: ألم يبلغك قوله صلى الله عليه و آله لأصحابه: أقضاكم عليّ عليه السلام؟ قال: نعم، قال: فإذا خالفت قوله ألم تخالف قول رسول اللَّه صلى الله عليه و آله؟
فاصفرّ وجه ابن أبي ليلى حتّى عاد كالاتْرُجّة [٢] ولم يُحِرْ [٣] جواباً» [٤].
ولاريب في أنّ ابن أبي ليلى لم يكن في عصر النبيّ صلى الله عليه و آله أو في عصر الصحابة، فأراد من العمل بسنّة رسول اللَّه وأقوال الصحابة، العمل بالروايات الناقلة لها، ومع ذلك لم يخطّئه الإمام عليه السلام في هذا المبنى، بل خطّأه لأجل مخالفته عليّاً عليه السلام فيما بلغه أنّه قضى به.
وهل هذا إلّاإمضاء عملي لبناء العقلاء على العمل بالخبر الواحد؟
بل كثير من الأحكام الصادرة من الأئمّة عليهم السلام لم تكن ممّا يبتلي به الراوي، فلو لم يكن الخبر الواحد حجّة حتّى فيما إذا كان راويه في أعلى درجات الوثاقة، لكان اهتمام الأئمّة عليهم السلام ببيان هذا النوع من الأحكام واهتمام أصحابهم بثبتها وضبطها أمراً لغواً بلا طائل، إذ قلّما يوجد خبر متواتر أو محفوف بقرينة قطعيّة، بل قلّما يوجد خبر منقول إلينا بواسطة البيّنة المركّبة من إثنين، فكان
[١] نكت الأرض بقضيب أو بإصبعه: ضربها به حال التفكّر فأثّر فيها. م ح- ى.
[٢] فاكهة معروفة، يُقال لها بالفارسيّة: بالنگ. م ح- ى.
[٣] أحار الجواب: ردّه، ومنه «لم يُحِرْ جواباً» أي لم يردّ جواباً. م ح- ى.
[٤] مستدرك الوسائل ١٧: ٢٤١، كتاب القضاء، الباب ٣ من أبواب صفات القاضي، الحديث ٢.