المهذب البارع في شرح المختصر النافع - ابن فهد الحلي - الصفحة ٦٥ - مقدمة المؤلف(١)
..........
مخيف. و لما رأيت الزمان لا يزداد إقباله إلّا إدبارا، و عساكر الرفاهيّة أبت إلّا انكسارا، و رأيت الأجل في اقتراب، و العمر في خراب. مع إبرام الإلحاح و التقاضي، و اشتغال الذمّة بالنذر الماضي، في ثبت ما سمحت به القريحة الفاترة، و إيراد ما وعته الفطنة القاصرة، لتعذّر ما وراء ذلك من الإمعان، و مراعاة التحسين و الإتقان، لما ذكرنا من تشويش [بؤس] الزمان، و وصفنا من ترادف الأحزان، قصدا للتخلّص من عهدة النذر اللازم، و فرارا من مطالبة اللجوج [١] العازم، و خوفا من لزوم العقاب دون التنويه [٢] بالكتاب. مستعينا باللّه و متوكّلا عليه، فليس القوّة إلّا به، و لا المرجع إلّا إليه.
فمن وقف فيه على تقصير في إشارة، أو عيّ في عبارة، أو خلل في إيراد، أو نوع من فساد، فأنا أسأله أولا التثبّت في مراجعة الفكر و الاعتبار، و تصفّح الكتب و الأخبار، قبل التسرّع بالرّد و الاهذار، و النظر بعين الإزراء و الاحتقار، فانّ ذلك من أخلاق اللئام و شعار الجهّال الطغام [٣].
فان وجد له شاهدا يعضده، أو نظيرا يؤيّده و إلّا نزّله بذهنه السليم، و لو على التأويل السقيم، جاعلا سمعه تلقاء قوله تعالى: إذ أعلن في كتابه تنبيها و تبصيرا:
«وَ لَوْ كٰانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّٰهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلٰافاً كَثِيراً» [٤].
و إن لم يجد له محملا قط و كان في غاية السقط وسّعه عذرا، فإن أخا الفضائل يعذر.
[١] اللاج و اللجوج: الشديد اللجاجة، و في بعض النسخ (اللحوح)، بالحاء المهملة.
[٢] ناهت نفسي عن الشيء تنوه و تناه نوها: انتهت، لسان العرب: ج ١٣، ص ٥٥١، و في المنجد:
ص ١١٠٠، نوهت بالحديث أي: أنشدت به و أظهرته.
[٣] الطغام: أوغاد الناس، للواحد و الجمع. و العامة تقول أوباش. رذال الطير- المنجد ص ٦٦١
[٤] سورة النساء: ٨٢.