نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٥٢١
و الكثرة على كلّ عطاء للمخلوقين، فيكون نفى الحساب فيه نفيا للتضييق، و مبالغة في وصفه بالسعة، و العرب تسمّى العطاء القليل محسوبا، قال قيس بن الخطيم:
أنّي سربت و كنت غير سروب # و تقرّب الأحلام غير قريب
ما تمنعي يقظي فقد تؤتينه # في النوم غير مصرّد محسوب
و ثالثها: أن يكون المعنى أنّه يرزق من يشاء من غير حساب أي من غير طلب للمكافأة أو إراغة فائدة تعود إليه أو منفعة ترجع عليه، لانّ من شأن أهل الدنيا أن يعطوا ليكافئوا و لينتفعوا، و لهذا يقال فيمن يقصد بالعطية إلى هذه الأمور: فلان يحاسب الناس فيما يعطيهم و يناقشهم فيما يوصّله إليهم، و ما أشبه ذلك، فلمّا انتفت هذه الأمور من عطاياه سبحانه جاز أن يقول: إنّه يرزق من يشاء بغير حساب.
و رابعها: ما أجاب به قطرب، قال: معنى الآية يعطى العدد الكثير لا ممّا يضبطه الحساب، أو يأتي عليه العدد، لأنّ مقدوره تعالى لا يتناهي، و ما في خزائنه لا ينحصر، و لا يصحّ عليه النفاد؛ و ليس كالمعطي منّا الألف من الألفين، و العشرة من المائة؛ لأنّ مقدار ما يتّبع له و يتمكّن منه محدود متناه، و لا تناهي و لا انقطاع لمّا يقدّر سبحانه عليه.
و خامسها: أنّه يعطى عباده في الجنّة من النعيم و اللذّات أكثر ممّا استحقّوا و أزيد ممّا وجب لهم بمحاسبته إياهم على طاعتهم كما قال تعالى: مَنْ ذَا اَلَّذِي يُقْرِضُ اَللََّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضََاعِفَهُ لَهُ أَضْعََافاً كَثِيرَةً [١] ، و كما قال عزّ و جلّ: إِنْ تُقْرِضُوا اَللََّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضََاعِفْهُ لَكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ [٢] ، و كما قال تعالى: لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَ يَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ [٣] .
و سادسها: أن يكون المعطي منّا غيره شيئا و الرازق سواه رزقا قد يكون له ذلك، فيكون فعله حسنا لا يسأل عنه، و لا يؤاخذ به، و لا يحاسب عليه؛ و ربّما
[١] سورة البقرة، الآية: ٢٤٥.
[٢] سورة التغابن، الآية: ١٧.
[٣] سورة فاطر، الآية: ٣٠.