فاجعة الطف - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ٣٧٠ - اتضاح أن وجوب الطاعة ولزوم الجماعة لا يعني الانصياع للسلطة
كما أن الجماعة التي يجب لزومه، ولا يجوز الخروج عنه، ليست هي جماعة الخليفة الحاكم، كما كان عليه الأمر في الصدر الأول، وحاول الحكام التشبث به على طول الخط، بل هي جماعة الحق أين كان، وكيف كان.
قال أبو شامة: "حيث جاء الأمر بلزوم الجماعة فالمراد لزوم الحق واتباعه وإن كان المتمسك به قليلاً والمخالف كثير، لأن الحق هو الذي كانت عليه الجماعة الأولى من عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه (رضي الله عنهم)، ولا ننظر إلى كثرة أهل الباطل بعدهم" [١] . وقد استحسن ذلك منه ابن أبي العز الحنفي [٢] .
وقال أبو حاتم: "الأمر بالجماعة بلفظ العموم، والمراد منه الخاص. لأن الجماعة هي إجماع أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) . فمن لزم ما كانوا عليه وشذّ عمن بعدهم لم يكن بشاق للجماعة، ولا مفارق له، ومن شذّ عنهم وتبع من بعدهم كان شاقاً للجماعة. والجماعة بعد الصحابة هم أقوام اجتمع فيهم الدين والعقل والعلم، ولزموا ترك الهوى فيما هم فيه وإن قلّت أعدادهم، لا أوباش الناس ورعاعهم وإن كثروا" [٣]، ونحوه كلام غيرهم.
بل بلغ الأمر بهم أنهم رووا تفسير الجماعة التي يجب لزومها بالسواد الأعظم [٤]، ومع ذلك قال إسحاق بن راهويه: "لو سألت الجهال عن السواد الأعظم قالوا: جماعة الناس. ولا يعلمون أن الجماعة عالم متمسك بأثر النبي (صلى الله عليه وسلم) . فمن كان معه وتبعه فهو الجماعة، ومن خالفه فيه ترك الجماعة" [٥] .
[١] شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ص:٣٠٧ـ٣٠٨، واللفظ له. فيض القدير ج:٤ ص:١٣١. النصائح الكافية ص:٢١٩.
[٢] شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ص:٣٠٧ـ٣٠٨.
[٣] صحيح ابن حبان ج:١٤ ص:١٢٦ـ١٢٧ كتاب التاريخ: باب بدء الخلق: ذكر تشبيه المصطفى (صلى الله عليه وسلم) عيسى بن مريم بعروة بن مسعود.
[٤] فتح الباري ج:١٣ ص:٣١. عمدة القاري ج:٢٤ ص:١٩٥. تحفة الأحوذي ج:٦ ص:٣٢١.
[٥] حلية الأولياء ج:٩ ص:٢٣٨ في ترجمة محمد بن أسلم.