فاجعة الطف - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ٩٩ - موقف جمهور أهل الكوفة
كما ورد أنه بعد أن خطبت أم كلثوم (عليه السلام) ضجّ الناس بالبكاء والنوح، ونشر النساء شعورهن، وخمشن وجوههن، وضربن خدودهن، ودعون بالويل والثبور، وبكى الرجال ونتفوا لحاهم، فلم ير باك وباكية أكثر من ذلك اليوم [١] .
ولولا حصول الجوّ المناسب والأرضية الصالحة لما تيسر لها ولا لغيرها من أفراد العائلة الكريمة الخطبة في الناس بعد أن أدخلوا إلى الكوفة أسرى يراد التشهير بهم وتوهينهم.
على أنه يبدو من بعض خطب أهل البيت (عليهم السلام) في الكوفة أن السلطة قد سبقت ركب الأسرى من العائلة الثاكلة ببعض مظاهر التبجح بالواقعة، في محاولة منها للتشهير به، وإظهار السرور على الصعيد العام بما أوقعته به.
فقد ورد في خطبة فاطمة الصغرى في الكوفة حال السبي قولها: "تباً لكم يا أهل الكوفة كم تراث [٢] لرسول الله (صلى الله عليه واله) قبلكم، وذحوله [٣] لديكم. ثم غدرتم بأخيه علي بن أبي طالب (عليه السلام) جدي وبنيه وعترة النبي الطيبين الأخيار. وافتخر بذلك مفتخر، فقال:
نحن قتـلنا علياً وبني علي *** بسيوف هندية ورماح
وسبينا نساءهم سبي ترك *** ونطحناهم فأي نطاح
فقالت: بفيك أيها القائل الكثكث ولك الاثلب..." [٤] .
ولكن ذلك لم يقو على كبح جماح عواطف جمهور الناس نحو العائلة
[١] اللهوف في قتلى الطفوف ص:٩١ـ٩٢. وذكر قريباً من ذلك الخوارزمي في مقتله ج:٢ ص:٤١.
[٢] التراث: ما يخلفه الرجل لورثته. وفي مثير الأحزان ص:٦٨: "أي ترات" بالتاء المثناة. وترات جمع تِرة: وهي إصابة الشخص بظلم أو مكروه. وهو أنسب بالمقام.
[٣] الذحول جمع ذحل وهو الثأر.
[٤] الاحتجاج ج:٢ ص:٢٨، واللفظ له. اللهوف في قتلى الطفوف ص:٩٠. مثير الأحزان ص:٦٨. والكثكث: هو التراب وفتات الحجارة. وكذا الأثلب والإثلب.