دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٢٨٦ - و المرجحات غير المنصوصة كثيرة
لحسنها (١) و لو سلم (٢) أنه لغلبة الحق في طرف الخبر المخالف، فلا شبهة في حصول
توضيح ردّ المصنف لهذا الوجه الثالث: أنه يحتمل في التعليل بكون الرشد في خلافهم عدّة وجوه:
أحدها: أن تكون مخالفتهم معنى اسميا؛ بأن يقال: إن نفس المخالفة- لكونها إرغاما لأنفسهم- مطلوبة مع الغضّ عن غلبة إيصالها إلى الواقع بأن يكون في نفس المخالفة جهة رجحان. و من المعلوم: أنه على هذا الوجه لا يصح الاستدلال المزبور لعدم لحاظ كشف المخالفة حينئذ عن مطابقة الخبر المخالف لهم للواقع؛ بل في نفس مخالفتهم مصلحة أقوى من مصلحة الواقع، فلو كان قولهم مطابقا للواقع كانت مصلحة مخالفتهم مقدمة على مصلحة الواقع.
ثانيها: أنه بعد تسليم كون مخالفتهم أمارة غالبية على أن الحق في خلافهم كما في المرفوعة- و عدم دلالة التعليل على مطلوبية نفس مخالفتهم من جهة ظهور هذا التعبير في الطريقية لا النفسية- لا يصلح التعليل للاستدلال المزبور أيضا؛ لأن هذه المخالفة توجب الاطمئنان بوجود خلل في الخبر الموافق لهم، إما في صدوره، و إما في جهته. و لا مانع من التعدي إلى مثل المخالفة من كل مزية توجب الاطمئنان بوجود خلل في الخبر الفاقد لتلك المزية، لا إلى كل مرجح و لو لم يوجب إلا الأقربية إلى الواقع من الخبر المعارض له، فتكون مخالفة العامة حينئذ كشهرة الرواية بين الرواة من مميزات الحجة عن اللاحجة لا من مرجحات إحدى الحجتين على الأخرى التي هي محل البحث.
ثالثها: أنه بناء على كون التعليل «بأن الرشد في خلافهم» ناظرا إلى صدور الخبر الموافق للعامة تقية، فمع الوثوق بصدور الخبرين معا يحصل الاطمئنان لا محالة بصدور الخبر الموافق تقية، و بهذا الوثوق يخرج عن موضوع دليل الحجية، فتكون مخالفة العامة- على هذا الفرض- من مميزات الحجة عن اللاحجة، فلا يصح الاستدلال بالتعليل المزبور على التعدي عن المرجحات المنصوصة إلى غيرها مما يوجب الأقربية إلى الواقع؛ لأن الكلام في ترجيح أحد الخبرين المتعارضين مترتب على اجتماع شرائط الحجية من الصدور و الدلالة و الجهة في كل منهما، و انحصار المانع عن حجيتها الفعلية في التعارض.
و أما إذا كانت موافقة العامة موجبة لخلل في الصدور أو الجهة صارت مخالفتهم مميزة للحجة عن غيرها.
(١) أي: لحسن المخالفة بمعناها الاسمي، و هذا إشارة إلى الاحتمال الأول.
(٢) يعني: و لو سلّم أن «الرشد في خلافهم» يكون لغلبة الحق على خلافهم.