دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٢٨٢ - و المرجحات غير المنصوصة كثيرة
فيها (١) ما لا يحتمل الترجيح به إلّا تعبدا فافهم (٢).
نعم؛ لو أريد بالأورعية خصوص التورّع في القول- خصوصا فيما يتعلق بنقل الرواية- كانت كالأصدقية في كونها مقرّبة للخبر إلى الواقع؛ لكن هذا الاحتمال يندفع بإطلاق «أورعهما» الظاهر في اعتبار الأورعية في جميع أفعاله و أقواله، لا خصوص ما يتعلق بنقل الخبر، و يكون مرجحيتها حينئذ متمحضة في التعبد.
و كذلك الأفقهية التي هي أشدية استنباط الحكم و استخراجه من الأدلة، فإنها لا تلازم الصدق؛ إذ ربما يكون غير الأفقه أصدق منه في كلامه؛ لموافقته للمشهور أو لمن هو أفقه من هذا الأفقه من الفقهاء الماضين، فالترجيح بالأفقهية أيضا تعبدي، و وحدة السياق تقتضي كون الترجيح بالأصدقية و الأوثقية أيضا تعبديا، فلا يصلح أن يكون وجها للتعدي عن المرجحات المنصوصة إلى غيرها مما يوجب الأقربية إلى الواقع.
فإن قلت: هذا الإشكال الثاني غير وارد على كلام الشيخ: لأنه «(قدس سره)» قسّم الترجيح بصفات الراوي إلى قسمين، فمنها: ما يكون تعبديا كالأورعية، و منها: ما يكون مقربا إلى الواقع، و التعدي عن المرجحات المنصوصة يستند إلى القسم الثاني لا الأول، و عليه: فلا وجه للإيراد عليه بأن بعض المرجحات متمحض في التعبدية.
قلت: الظاهر ورود الإشكال على كلام الشيخ، فإن المرجحات و إن كانت على قسمين، و التعدي مستند إلى ما يكون مقربا إلى الواقع؛ إلا إن المصنف «(قدس سره)» يدعي احتفاف مثل «الأصدقية» بالأورعية التي لا يحتمل فيها إلّا التعبد، و هذا الاحتفاف يوجب إرادة الترجيح التعبدي في الأصدقية و الأوثقية أيضا، و يسقط ظهور الكلام في كون تمام مناط الترجيح بهما الأقربية إلى الواقع، و لا دافع لهذا الاحتمال؛ إذ لا بد من استقرار الظهور في كون المناط هو الأقربية حتى يتعدى منهما إلى سائر المرجحات.
(١) أي: في المرجحات، و ضمير «به» راجع إلى «ما» الموصول المراد به المرجح.
يعني: قد ذكر في المرجحات: المرجحات التي لا يحتمل الترجيح بها إلا تعبدا، و هذا صالح لأن يكون قرينة على إرادة الترجيح التعبدي في الأصدقية و الأوثقية أيضا.
(٢) لعله إشارة إلى مخدوشية الرّد الثاني المذكور في قوله: «لا سيما ...» الخ.
و محصله: أن دعوى كون الترجيح بالأورعية و الأعدلية و الأفقهية تعبديا لا تخلو من منع؛ لقوة احتمال كون الترجيح بها بملاك الأقربية إلى الواقع، ضرورة: أن الأورع- لبذل غاية جهده في إحراز الواقع يحصل له الوثوق و الاطمئنان بصدق ما ينقله و مطابقته