دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٢١٣ - المورد الثالث حمل الظاهر على الأظهر
و إنما يكون التعارض في غير هذه الصور (١) مما (٢) كان التنافي فيه بين الأدلة
(١) أي: غير موارد الجمع العرفي من العام و الخاص و المطلق و المقيد و نحوهما؛ إذ لا تنافي بينها في مرحلة الدلالة و الإثبات بحيث يتحيّر العرف في الجمع بينها.
(٢) بيان ل «غير»، و ضمير «فيه» راجع إلى الموصول في «مما».
و غرضه: بعد نفي التعارض عن الصور المذكورة- التي لا يتحيّر العرف في الجمع بينها- إثبات التعارض في غير تلك الصور و هو: ما إذا كان العرف متحيّرا في الجمع بين الدليلين أو الأدلة في مقام الإثبات.
توضيح ذلك: أن حجية ما يستنبط منه الحكم الشرعي منوطة بواجديته لأمور ثلاثة:
أحدها: صدوره ممن له تشريع الأحكام.
ثانيها: ظهوره في المعنى و عدم إجماله.
ثالثها: كونه صادرا لبيان الواقع و المتكفل للأول: أدلة حجيّة الأخبار، و يعبّر عنه تارة:
بأصالة السند، و أخرى: بأصالة الصدور. و للثاني: بناء أبناء المحاورة على كون اللفظ ظاهرا في المعنى الكذائي، و يعبّر عنه بأصالة الظهور.
و للثالث: ظهور حال المتكلم في إرادة ظاهر كلامه، و جعله حاكيا عن مرامه، و يعبّر عنه بأصالة الجهة.
و هذه الأمور الثلاثة مقوّمة لدليلية الدليل، فإذا تعارض دليلان علم إجمالا بكذب أحد هذه الأمور الثلاثة في أحد الدليلين، و بمخالفة أحدهما للواقع.
و صور تعارض هذه الأمور و إن كانت كثيرة؛ إذ التعارض قد يكون بين أصالتي السند فيهما كما إذا كانا مقطوعي الدلالة و الجهة، و قد يكون بين أصالتي الظهور كما إذا كانا مقطوعي السند و الجهة، و قد يكون بين أصالتي الجهة كما إذا كانا مقطوعي السند و الدلالة، و قد يكون غير ذلك؛ إلّا إن التعارض الذي يسري من الدلالة إلى السند و يوجب التعارض في أصالتي الصدور- و يكون موضوع حكم العقل بالتخيير أو التساقط و موضوع أخبار العلاج- ينحصر في الدليلين الظنيين، سواء كان كل واحد منهما قطعيا جهة و دلالة أم ظنيّا كذلك؛ فإن التعارض يقع بين سنديها للعلم الإجمالي بعدم صدور أحدهما، بعد وضوح: عدم إمكان الجمع بينهما بالتصرف فيهما، لفرض:
قطعية دلالتهما، فلا محالة يقع التعارض بين أصالتي الصدور فيهما؛ إذ لا معنى للتعبد بصدورهما مع العلم الإجمالي بكذب أحدهما. هذا في صورة القطع بالدلالة و الجهة.
و أمّا في صورة ظنيتهما- كظنيّة السند- فلأنهما و إن كانا قابلين للتصرف في