دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٢٠٠ - المورد الثاني التوفيق العرفي
و محصل ما أفاده فيهما هو: أن ما اعتبره الشيخ في تفسير الحكومة من «كون أحد الدليلين متعرضا بمدلوله اللفظي لحال الدليل الآخر» متين جدا، فلا يكون أحد الدليلين حاكما على الدليل الآخر ما لم يكن تفسير مدلول الدليل المحكوم و تبيّن كمية موضوعه مدلولا لفظيا للدليل الحاكم، فإذا لم يكن هذا النحو الخاص من التفسير و الشرح لم ينطبق ضابط الحكومة على هذين الدليلين؛ بل كان بينهما تعارض يقتضي رعاية حكمه من التخيير أو الترجيح أو تقديم أحدهما بمناط آخر كالتوفيق العرفي؛ و لا يكفي في الحكومة دلالة الدليل الحاكم على أمر واقعي ينطبق على موضوع الدليل المحكوم عقلا؛ لكن بدون النظر و الشرح و التفسير بالدلالة اللفظية.
و بيان وجه عدم الكفاية: أن مدلولي الحاكم و المحكوم متنافيان، و الرافع لهذا التنافي هو الشرح و النظر و التعرض المتقوّم بها الحكومة، و إنما يتحقق النظر إذا كان الدليل الحاكم بمدلوله اللفظي حاكيا عن حال موضوع الدليل المحكوم سعة و ضيقا، و مفسرا له و مبيّنا لكمية ما يراد منه هذا بحسب الكبرى.
و أما تطبيقه على المقام ببيان انتفاء ضابط الحكومة بين الأمارة و الأصل، فتوضيحه: أن الشارع جعل الأمارة حجة في ظرف الجهل بالواقع، و حكم بعدم الاعتناء باحتمال مخالفته للواقع، و حجية الأمارة في هذه الحال حكم مستقل غير متفرع على جعل أصالة الحل فيما اشتبهت حليته و حرمته، و معنى حجية الأمارة- حسب الفرض- إلغاء احتمال خلاف ما أخبر به العادل أو الثقة، و معنى هذا الإلغاء هو: عدم ترتيب الحكم المجعول لاحتمال الخلاف عليه. لكن دلالة الأمارة على نفي حكم الاحتمال إنما هو بمقتضى دلالته الالتزامية الثابتة في دليل الأصل أيضا؛ لأن دليل الأصل مثل: «كل شيء لك حلال» يدل أيضا على انتفاء غير الحلية من الأحكام، فإن الدليل على ثبوت حكم خاص يدل على انتفاء ما ينافي ذلك الحكم، فتقع المعارضة بين الدلالتين لا الحكومة.
لا يقال: الأمارة ناظرة إلى الأصل العملي و متعرضة لحكم مورده؛ و ذلك لأنه إذا أخبر العادل بحرمة شرب التتن مثلا، فمدلوله المطابقي هو حرمة شربه، و مدلوله الالتزامي اللفظي هو نفي ما عدا الحرمة- أعني: الحلية الظاهرية التي هي مفاد الأصل- الثابتة لموضوعها و هو الشرب المشكوك في حكمه الواقعي.
و هذه الدلالة منتفية في جانب دليل الأصل، فإن خلاف الحلية الظاهرية في