دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٣٣٠ - في الإجماع العملي على حجية خبر الواحد
و فيه: مضافا إلى ما عرفت مما يرد على الوجه الأول: إنه لو سلّم اتفاقهم على ذلك، لم يحرز أنهم اتفقوا بما هم مسلمون و متدينون بهذا الدين، أو بما هم عقلاء و لو لم يلتزموا بدين، كما هم لا يزالون يعملون بها في غير الأمور الدينية من الأمور العادية، فيرجع إلى ثالث الوجوه، و هو: دعوى استقرار سيرة العقلاء من ذوي الأديان و غيرهم على العمل بخبر الثقة، و استمرت إلى زماننا، و لم يردع عنه نبي و لا وصي نبي، ضرورة (١): أنه لو كان لاشتهر و بان، و من الواضح: أنه يكشف عن رضاء الشارع به في الشرعيات أيضا.
إن قلت (٢): يكفي في الردع الآيات الناهية، و الروايات المانعة عن اتباع غير
و شذ من لا يعمل به؛ بل نرى العقلاء أنهم يعتمدون في أعز أشيائهم و هي نفوسهم على الثقة، فيركبون الطائرة التي يقودها ثقة عارف، مع أنه لو قصر لسقطت و هلكوا، فإذا عملوا على طبق نظر الثقة في مثل نفوسهم فكيف لا يعملون بخبره في سائر شئونهم؟
(١) تعليل لقوله: «و لم يردع عنه». و ضمير «عنه» راجع على العمل بخبر الثقة.
و ضمير «أنه» راجع على الردع المستفاد من العبارة. فمرجع الضمير حينئذ: معنوي، و ضمير «أنه» في قوله: «أنه عن رضا الشارع» راجع على عدم الردع، و ضمير «به» راجع على العمل بخبر الثقة.
قوله: «أيضا» أي: كما هو كاشف عن رضا الشارع في غير الشرعيات.
و هذا الوجه من تقرير الإجماع يتوقف على مقدمات أربع:
الأولى: عملهم بخبر الثقة.
الثانية: عدم ردع الشارع عنه.
الثالثة: وجود المقتضي للردع على تقدير عدم الحجية.
الرابعة: عدم المانع عن الردع.
و الفرق بين هذا الوجه و سابقه: أن الوجه السابق كان سيرة المسلمين خاصة على العمل بخبر الثقة في خصوص الأمور الشرعية، و هذا الوجه هو: دعوى سيرة العقلاء عامة على العمل بخبر الثقة في تمام أمورهم العادية، و منها الأمور الدينية، فهذا الوجه أوسع من سابقه، كما أن السابق كان أوسع من الأول.
(٢) هذا إشكال على التمسك ببناء العقلاء، و حاصله: أن بناء العقلاء على العمل بخبر الثقة في كافة أمورهم و إن كان مسلما و لكن من المعلوم أن التمسك به مشروط بإمضاء الشارع له، و عدم ردعه عنه؛ إذ ليس بنفسه حجة لو لا إمضاء الشارع، و لم يثبت