دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٢٩٣ - تقريب الاستدلال بآية النفر على حجية خبر الواحد
و أما الثاني: فلأن تقابل الجمع بالجمع ظاهر في التوزيع، أي: تقسيم الأفراد على الأفراد، فمثلا: إذا جاء أمر لألف رجل مسلم بقتل ألف رجل كافر: كان معناه أن كل رجل مسلم يقتل كافرا، فيكون معنى قوله تعالى: لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ أي: لينذر كل واحد من النافرين قومه، كما هو مقتضى العادة؛ لأن النافرين للتفقه بعد تعلّم الأحكام لا يجتمعون عادة في محل واحد ليرشدوا الناس مجتمعين؛ بل يذهب كل واحد منهم إلى ما يخصه من البلد و الوطن، ثم يرشد من حوله من الناس.
و أما الأمر الثالث: فلأن ظاهر الحذر: هو أخذ المأمن من الهلكة و العقوبة، و هو العمل لا مجرد الخوف النفساني، فيكون المراد من الحذر: هو العمل، و إنما الكلام في الأمر الرابع، و هو إثبات وجوب الحذر، و قد أشار إليه بقوله: أحدها، ثانيها، ثالثها.
و حاصل الكلام في المقام: أن إثبات وجوب الحذر يمكن بأحد وجوه:
الوجه الأول: من جهة كلمة «لعل».
الوجه الثاني: من جهة لزوم لغوية وجوب الإنذار لو لا وجوب الحذر.
الوجه الثالث: من جهة جعل الحذر غاية للواجب.
و أما توضيح الوجه الأول: فيتوقف على مقدمة و هي: إن كلمة «لعل» فيها قولان:
الأول:- و هو المشهور- أنها حقيقة في إنشاء الترجي الحقيقي، الذي معناه: إظهار الرغبة في الشيء مع الجهل بمستقبله، و عدم القدرة عليه فعلا، و هذا المعنى مستحيل في حقه تعالى.
الثاني:- و هو مختار المصنف- أنها حقيقة في الترجي الإيقاعي الإنشائي، غاية الأمر:
الاختلاف في مرحلة الداعي بمعنى: أن الداعي قد يكون هو الترجي الحقيقي، و قد يكون هو محبوبية العمل.
و أما إذا وقعت كلمة «لعل» في كلامه تعالى: فيستحيل أن يكون الداعي هو الترجي الحقيقي، فلا بد من أن يكون الداعي هو المحبوبية.
إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن كلمة «لعل» الواردة في آخر الآية في قوله تعالى:
لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ لا يمكن أن يراد بها الترجي الحقيقي على كلا القولين؛ لما عرفت من: استحالته على الله تعالى، فيراد بها الدلالة على محبوبية العمل، فكلمة «لعل» حينئذ: تكون مستعملة بداعي محبوبية التحذر.
و إذا ثبتت محبوبية التحذر: ثبت وجوبه شرعا و عقلا.