دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٢٠ - مراتب الحكم و ترتّب استحقاق العقوبة على مخالفة الحكم الفعلي
ثم لا يخفى عليك (١): أن التكليف ما لم يبلغ مرتبة البعث و الزجر لم يصر فعليا، و ما لم يصر فعليا لم يكد يبلغ مرتبة التنجز، و استحقاق العقوبة على المخالفة و إن كان
(١) إشارة إلى تفصيل ما أفاده إجمالا من أن أحكام القطع مترتبة على القطع بمرتبة فعلية الحكم.
[مراتب الحكم و ترتّب استحقاق العقوبة على مخالفة الحكم الفعلي]
و توضيح ذلك يتوقف على مقدمة و هي: أن للحكم مراتب أربع: الأولى: الاقتضاء، الثانية: الإنشاء، الثالثة: الفعلية، الرابعة: التنجز. و هذه المراتب طولية لا عرضية بمعنى: أنه ما لم تتحقق المرتبة السابقة لا يعقل تحقيق المرتبة اللاحقة.
فما لم تتحقق مرتبة الاقتضاء- و هي شأنية الحكم للوجود لأجل ملاك الحكم في متعلقه و هي عبارة عن مصلحة أو مفسدة- لا يعقل وصوله إلى المرتبة الثانية- و هي مرتبة الإنشاء- و هي جعل الحكم مجردا عن البعث و الزجر، بمعنى: أن المولى بعد ملاحظة المصلحة ينشئ الوجوب و بعد ملاحظة المفسدة ينشئ الحرمة قانونا، فالحكم حينئذ موجود إنشاء و قانونا من دون بعث للمولى أو زجر فعلا كأكثر أحكام الشرع مما لم يؤمر الرسول «(صلى اللّه عليه و آله و سلم)» بتبليغه؛ لعدم استعداد المكلفين لها. فهذه المرتبة كالمرتبة السابقة لا تلازم الإرادة و الكراهة.
المرتبة الثالثة: و المراد بهذه المرتبة: بعث المولى و زجره نحو الحكم بأن يقول: «افعل» أو «لا تفعل» مع عدم وصوله إلى المكلف بحجة معتبرة من علم أو علمي، فلا تكون مخالفته حينئذ موجبة للعقاب و الذّم.
المرتبة الرابعة:- و هي مرتبة التنجز- المراد بها: وصول الحكم الفعلي إلى المكلف بالحجة الذاتية أو المجعولة، و علمه بالمرتبة الثالثة، و يكون في موافقته ثواب و في مخالفته عقاب.
إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن ما تقدم آنفا من كون القطع منجّزا للتكليف في صورة الإصابة إنما فيما إذا كان التكليف الذي تعلق به القطع فعليا لا إنشائيا محضا.
و حاصل الكلام في المقام: أن وجوب العمل بالقطع عقلا، و قضاء الضرورة و الوجدان باستحقاق العقوبة على مخالفته و المثوبة على موافقته إنما هو فيما إذا تعلق القطع بالمرتبة الثالثة و هي البعث و الزجر؛ ليكون الحكم منجّزا بسبب وصوله إلى العبد بالقطع به، فلو لم يتعلق القطع بهذه المرتبة، بل تعلق بما قبلها من الاقتضاء و الإنشاء لم يكن هذا القطع موضوعا للحجيّة في نظر العقل؛ لعدم صدق الإطاعة و العصيان على موافقته و مخالفته.