تمهيد الوسائل في شرح الرسائل - المروجي، الشيخ علي - الصفحة ١٤٢ - في تقديم القرعة على أصالتي التخيير و الإباحة العقليّين
و لا يخفى عليك أنّ المصنّف حكم بورود أدلّة القرعة على أدلّة التخيير مطلقا، و لم يفصل بين التخيير الشرعي و العقلي، بخلاف أصالتي الإباحة و الاحتياط؛ فإنّه فصل بينهما، و لعلّ الوجه فيه هو أنّ التخيير، سواء كان عقليّا أو شرعيّا، فموضوعه هو التحيّر واقعا و ظاهرا، بخلاف أصالتي الإباحة و الاحتياط؛ فإنّ موضوعهما فيما إذا كانتا عقليّتين يغاير موضوعهما فيما إذا كانتا شرعيّتين، فلذا تكون واردة على تقدير كونهما عقليّتين، و حاكمة على تقدير كونهما شرعيّتين.
إن قلت: إنّ التفصيل بين التحيّر و الشكّ لا وجه له؛ إذ التحيّر عبارة اخرى عن الشكّ، فكيف نقول بأنّ القرعة رافعة للتحيّر بالوجدان، و تكون واردة على أصالة التخيير من دون تفصيل بين ما إذا كان مدركهما العقل و الأخبار، و لكن في أصالتي الإباحة و الاحتياط تفصيل بين ما إذا كان مدركهما العقل و الأخبار، و تقول بالورود في الأوّل، و بالحكومة في الثاني.
قلت: الفرق- بين أصالة التخيير و بين أصالتي الاحتياط و الإباحة- هو أنّ أصالة التخيير دائما أصل عقلي، و لا يوجد قسم منها شرعي، و لكنّ الاحتياط و الإباحة على قسمين: قسم منهما عقليّ، و قسم آخر منهما شرعيّ، فأصالة القرعة حيث إنّها أصل شرعي تصلح أن تكون بيانا يرفع موضوع كلّ قاعدة عقليّة يكون موضوعها عدم البيان، كالبراءة العقليّة و الإباحة العقليّة، و كلّ قاعدة عقليّة يكون موضوعها احتمال الضرر، كالاحتياط العقلي؛ إذ مع القطع بالبيان الشرعي، و هو حجّية أصالة القرعة نقطع بوجود البيان من الشارع، و لا يبقى معه موضوع للتخيير مطلقا؛ لأنّ موضوعه مطلقا التحيّر بمعنى عدم وصول البيان، لا واقعا و لا ظاهرا.