الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٩٧ - ١٣٣٩- غلط بعض الشعراء في المديح و الفخر
قال ابن الأعرابيّ: فلما أنشد الملك لبيد في الربيع بن زياد ما أنشد قال الربيع:
أبيت اللّعن، و اللّه لقد نكت أمّه، قال: فقال لبيد: قد كانت لعمري يتيمة في حجرك، و أنت ربيتها، فهذا بذاك، و إلا تكن فعلت ما قلت فما أولاك بالكذب!و إن كانت هي الفاعلة فإنها من نسوة لذلك فعل. يعني بذلك أنّ نساء عبس فواجر، لأن أمه كانت عبسيّة.
و العربيّ يعاف الشيء و يهجو به غيره، فإن ابتلي بذلك فخر به. و لكنه لا يفخر به لنفسه من جهة ما هجا به صاحبه. فافهم هذه؛ فإن الناس يغلطون على العرب و يزعمون أنهم قد يمدحون الشيء الذي قد يهجون به. و هذا باطل، فإنه ليس شيء إلا و له وجهان و طرفان و طريقان.
فإذا مدحوا ذكروا أحسن الوجهين، و إذا ذمّوا ذكروا أقبح الوجهين.
و الحارث بن حلّزة فخر ببكر بن وائل على تغلب، ثم عاتبهم عتابا دلّ على أنهم لا ينتصفون منهم، فقال[١]: [من الخفيف]
و أتانا عن الأراقم أنبا # ء و خطب نعنى به و نساء[٢]
يخلطون البريء منا بذي الذّنـ # ب و لا ينفع الخليّ الخلاء
زعموا أن كلّ من ضرب العيـ # ر موال لنا و أنّا الولاء[٣]
إنّ إخواننا الأراقم يغلو # ن علينا في قولهم إحفاء[٤]
ثم قال:
و اتركوا الطّيخ و التّعاشي و إمّا # تتعاشوا ففي التعاشي الدّاء[٥]
و اذكروا حلف ذي المجاز و ما قـ # دّم فيه، العهود و الكفلاء[٦]
حذر الجور و التّعدّي و هل ينـ # قض ما في المهارق الأهواء[٧]
[١]الأبيات من معلقته في شرح القصائد العشر ٣٧٩، و شرح القصائد السبع ٤٤٩.
[٢]الأراقم: أحياء من بني تغلب و بكر بن وائل.
[٣]العير: الوتد، أي كل من يضرب وتدا ألزمونا ذنبه.
[٤]الغل: تجاوز الحد. الإحفاء: الاستقصاء، أو هو من أحفيت الدابة: إذا كلفتها ما لا تطيق حتى تحفى.
[٥]الطيخ: الكبرة و العظمة. التعاشي: التعامي و التجاهل.
[٦]ذو المجاز: موضع جمع فيه عمر بن هند بكرا و تغلب، و أصلح بينهما، و أخذ منهما الوثائق و الرهون.
[٧]المهارق: جمع مهرق؛ و هو الصحيفة.