الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٩٣ - ١٣٣٧- بين الجاحظ و أبي عتاب
قلت يا سودة، هذا و الذي # يفرج الكربة منّا و الكلح
هو زين لي في الوجه كما # زيّن الطّرف تحاسين القرح[١]
و زعم أبو نواس أنهم كانوا يتبركون به، و أن جذيمة الوضّاح كان يفخر بذلك.
و زعم أصحابنا أن بلعاء بن قيس، لمّا شاع في جلده البرص قال له قائل: ما هذا يا بلعاء؟فقال: «هذا سيف اللّه جلاه!» . و كنانة تقول: «سيف اللّه حلاه» [٢].
ثم رجع الحديث إلى أبي العطّاف و ضحكه. قال[٣]: و أما اليوم الآخر فإنّ عمرا لمّا ذهب بصره، و دخل عليه الناس يعزّونه، دخل عليه إبراهيم بن جامع، و هو أبو عتّاب من آل أبي مصاد، و كان كالجمل المحجوم، فقام بين يدي عمرو فقال: يا أبا أسيّد لا تجزعنّ من ذهاب عينيك و إن كانتا كريمتيك؛ فإنك لو رأيت ثوابهما في ميزانك تمنيت أن يكون اللّه عزّ و جلّ قد قطع يديك و رجليك، و دقّ ظهرك، و أدمى ضلعك.
قال: فصاح به القوم و ضحك بعضهم. فقال عمرو: معناه صحيح، و نيته حسنة، و إن كان قد أخطأ في اللفظ[٤].
١٣٣٧-[بين الجاحظ و أبي عتاب]
و قلت لأبي عتّاب: بلغني أن عبد العزيز الغزّال قال: ليت أن اللّه لم يكن خلقني، و أني الساعة أعور. قال أبو عتّاب: بئس ما قال؛ وددت و اللّه أن اللّه لم يكن خلقني و أنّي الساعة أعمى مقطوع اليدين و الرّجلين.
و أتى بعض الشعراء أبا الواسع و بنوه حوله، فاستعفاه أبو الواسع من إنشاد مديحه، فلم يزل به حتى أذن له. فلما انتهى إلى قوله: [من البسيط]
فكيف تنفى و أنت اليوم رأسهم # و حولك الغرّ من أبنائك الصّيد
قال أبو الواسع: ليتك تركتهم رأسا برأس! [١]الطرف: الجواد الكريم العتيق. القرح: بياض يسير في وجه الفرس.
[٢]انظر هذا القول في البرصان ٣٢، و الأغاني ١٣/٩١ و عيون الأخبار ٤/٦٣، و المعارف ٥٨٠، و الكنايات للثعالبي ٣٥، و ربيع الأبرار ٥/١١٥.
[٣]الخبر في البيان ٢/٣١٧-٣١٨، و البرصان ٣٤، و عيون الأخبار ٢/٤٨، و ربيع الأبرار ٥/١١٥.
[٤]في البرصان ٣٤: «فقال-عمرو-يرعى له حسن نيته و يلغى سوء لفظه» .