الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٨٤ - ١٣٣٢- العقعق
تركيبها، و مواضع أعضائها. و القول فيهما شبيه بالقول في التّدرج و النّعامة.
و قد يكون الحيوان عجيب صنعة البدن، ثم لا يذكر بعد حسن الخلق بخلق كريم، و لا حسّ ثاقب، و لا معرفة عجيبة، و لا صنعة لطيفة. و منه ما يكون كالببغاء، و النحلة، و الحمامة، و الثعلب، و الدّرّة[١]، و لا تكون الأعجوبة في تصويره، و تركيب أعضائه، و تنضيد ألوان ريشه في وزن تلك الأشياء التي ذكرناها، أو يكون العجب فيما أعطى في حنجرته من الأغاني العجيبة، و الأصوات الشجيّة المطربة، و المخارج الحسنة-مثل العجب فيما أعطي من الأخلاق الكريمة، أو في صنعة الكفّ اللطيفة، و الهداية الغريبة، أو المرفق النافع، أو المضرّة التي تدعو إلى شدّة الاحتراس، و دقة الاحتيال، فيقدّم في الذكر لذلك.
١٣٣٢-[العقعق]
و أيّ شيء أعجب من العقعق[٢]و صدق حسّه، و شدّة حذره، و حسن معرفته، ثم ليس في الأرض طائر أشدّ تضييعا لبيضه و فراخه منه. و الحبارى مع أنها أحمق الطير، تحوط بيضها أو فراخها أشدّ الحياطة[٣]، و بأغمض معرفة، حتى قال عثمان بن عفان، رضي اللّه عنه: «كلّ شيء يحب ولده حتى الحبارى» [٤]. يضرب بها المثل في الموق[٥].
ثم العقعق مع حذقه بالاستلاب، و بسرعة الخطف، لا يستعمل ذلك إلا فيما لا ينتفع به، فكم من عقد ثمين خطير، و من قرط شريف نفيس، قد اختطف من بين أيدي قوم، فإمّا رمى به بعد تحلّقه في الهواء، و إما أحرزه و لم يلتفت إليه أبدا.
و زعم الأصمعيّ أنّ عقعقا مرة استلب سخابا[٦]كريما لقوم، فأخذ أهل السّخاب أعرابيّة كانت عندهم، فبينما هي تضرب، و تسحب و تسبّ إذ مرّ العقعق [١]الدّرّة: الببغاء. «حياة الحيوان ١/٤٧٨» .
[٢]العقعق: طائر على قدر الحمامة و على شكل الغراب. «حياة الحيوان ٢/٦٧» .
[٣]وردت هذه الفقرة من قوله «و أي شيء أعجب» في ثمار القلوب (٧٠١) ، و ربيع الأبرار ٥/٤٤٩.
[٤]الحديث في النهاية ١/٣٢٨، و هو من الأمثال في مجمع الأمثال ٢/١٤٦، و المستقصى ٢/٢٢٧.
[٥]الموق: حمق في غباوة.
[٦]السخاب: القلادة، و الخبر مع البيت التالي في ربيع الأبرار ٥/٤٤٩.