الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٥٢ - ١٣٠٣- حسن النار
الكلام، حتى نأتي من أصناف النيران على ما يحضرنا، إن شاء اللّه تعالى.
قالوا: و ليس في العالم جسم صرف غير ممزوج، و مرسل غير مركب، و مطلق القوى، غير محصور و لا مقصور، أحسن من النار.
قال: و النار سماوية علوية؛ لأن النار فوق الأرض، و الهواء فوق الماء، و النار فوق الهواء.
و يقولون: «شراب كأنه النار» ، و «كأن لون وجهها النار» . و إذا وصفوا بالذكاء قالوا: «ما هو إلا نار» و إذا وصفوا حمرة القرمز[١]و حمرة الذهب قالوا: «ما هو إلا نار» .
قال: و قالت هند[٢]: «كنت و اللّه في أيام شبابي أحسن من النار الموقدة!» .
و أنا أقول: لم يكن بها حاجة إلى ذكر «الموقدة» و كان قولها: «أحسن من النار» يكفيها. و كذلك اتهمت هذه الرواية.
و قال قدامة حكيم المشرق في وصف الذّهن[٣]: «شعاع مركوم[٤]، و نسم معقود، و نور بصّاص[٥]. و هو النار الخامدة، و الكبريت الأحمر» [٦].
و مما قال العتّابي: «و جمال كل مجلس بأن يكون سقفه أحمر، و بساطه أحمر» .
و قال بشّار بن برد: [من الطويل]
هجان عليها حمرة في بياضها # تروق بها العينين و الحسن أحمر[٧]
و قال أعرابيّ: [من الطويل]
هجان عليها حمرة في بياضها # و لا لون أدنى للهجان من الحمر
[١]القرمز: صبغ أرمني أحمر، يقال: إنه من عصارة دود يكون في آجامهم، فارسي معرب.
[٢]هي هند بنت الخس، و الخبر في ثمار القلوب ٦٤٠ (٨٢٨) ، و التمثيل و المحاضرة ٢٦٢، و محاضرات الأدباء ٢/٢٧٧، و انظر أخبارها في بلاغات النساء ٨٠-٨٦، و المزهر ٢/٥٤٠-٥٤٥.
[٣]الخبر في محاضرات الأدباء ٢/٢٧٧.
[٤]مركوم: مجموع.
[٥]بصاص: لمّاع و برّاق.
[٦]الكبريت الأحمر: يسمى حجر الفلاسفة، و يدخل في عمل الذهب عند أهل الصنعة. انظر قاموس الأطبا ١/٧٢، و اللسان و التاج (كبرت) ، و مفاتيح العلوم ١٥٠ «حجر الصنعة» . و من الأمثال قولهم: «أعز من الكبريت الأحمر» ، و المثل في مجمع الأمثال ٢/٤٤، و المستقصى ١/٢٤٥، و جمهرة الأمثال ٢/٣٣.
[٧]الهجان: البيضاء، و قوله: «الحسن أحمر» من الأمثال في مجمع الأمثال ١/١٩٩، و جمهرة الأمثال ١/٣٦٦، و فصل المقال ٣٤٤، و أمثال ابن سلام ٣٨، و المستقصى ١/٣١٢.