الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٥١ - ١٣٠٣- حسن النار
شيء. و جوفها و جوف الطّلق[١]في ذلك سواء. و قدرة اللّه على أن يخلق النار عند مسّ الطّلق، كقدرته على أن يخلقها عند حكّ العود و هو، تعالى و عز، لم يرد في هذا الموضع إلا التعجيب[٢]من اجتماع النار و الماء.
و هل بين قولكم في ذلك و بين من زعم أن البذر الجيّد و الرديء و الماء العذب و الملح، و السّبخة[٣]و الخبرة[٤]الرّخوة، و الزمان المخالف و الموافق، سواء، و ليس بينها من الفرق إلا أن اللّه شاء أن يخلق عند اجتماع هذه حَبًّا. `وَ عِنَباً وَ قَضْباً.
وَ زَيْتُوناً وَ نَخْلاً [٥]دون تلك الأضداد.
و من قال بذلك و قاسه في جميع ما يلزم من ذلك، قال كقول الجهميّة في جميع المقالات، و صار إلى الجهالات، و قال بإنكار الطبائع و الحقائق.
و قال اللّه عزّ و جلّ: اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ اَلشَّجَرِ اَلْأَخْضَرِ نََاراً فَإِذََا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ [٦].
و لو كان الأمر في ذلك على أن يخلقها ابتداء لم يكن بين خلقها عند أخضر الشجر و عند اليابس الهشيم فرق، و لم يكن لذكر الخضرة الدّالة على الرطوبة معنى.
و قد ذكرنا جملة من قولهم في النار. و في ذلك بلاغ لمن أراد معرفة هذا الباب. و هو مقدار قصد، لا طويل و لا قصير.
فأما القول في نار جهنم، و في شواظها[٧]و دوامها و تسعّرها و خبوّها و القول في خلق السماء من دخان و الجانّ من نار السّموم[٨]، و في مفخر النار على الطين، و في احتجاج إبليس بذلك-فإنا سنذكر من ذلك جملة في موضعه إن شاء اللّه تعالى.
١٣٠٣-[حسن النار]
و نحن راجعون في القول في النار إلى مثل ما كنا ابتدأنا به القول في صدر هذا [١]الطلق: نبت تستخرج عصارته فيتطلى به الذين يدخلون في النار. «اللسان: طلق» .
[٢]عجبه تعجيبا: حمله على التعجب.
[٣]السبخة: أرض ذات نزّ و ملح.
[٤]الخبرة: منقع الماء في أصول السّدر، و منبت السّدر في القيعان.
[٥]٢٧-٢٩/عبس: ٨٠.
[٦]٨٠/يس: ٣٦.
[٧]شواظ النار: لهبها الذي لا دخان فيه.
[٨]السموم: الريح الحارة.