الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٤٥ - ١٢٩٩- احتجاج النظام للكمون
١٢٩٩-[احتجاج النظام للكمون]
و قال أبو إسحاق: أخطأ من زعم أن النار تصعد في أول العود، و تنحدر و تغوص فيه، و تظهر عليه، و تأخذ منه عرضا.
و قال: العود، النار في جميعه كامنة، و فيه سائحة، و هي أحد أخلاطه. و الجزء الذي يرى منها في الطرف الأول، غير الجزء الذي في الوسط و الجزء الذي في الوسط غير الجزء الذي في الطرف الآخر. فإذا احتكّ الطرف فحمي زال مانعه، و ظهرت النار التي فيه. و إذا ظهرت حمي لشدة حرها الموضع الذي يليها، و تنحّى أيضا مانعه.
و كذلك الذي في الطرف الآخر و لكن الإنسان إذا رأى النار قد اتصلت في العود كله، و ظهرت أولا فأوّلا، ظن أن الجزء الذي كان في المكان الأول قد سرى إلى المكان الثاني، ثم إلى المكان الثالث. فيخبر عن ظاهر ما يرى و لا يعرف حقيقة ما بطن من شأنها.
و قال أبو إسحاق: و لو كانت العيدان كلها لا نار فيها، لم يكن سرعة ظهورها من العراجين، و من المرخ و العفار[١]، أحقّ منها بعود العنّاب[٢]و البرديّ[٣]و ما أشبه ذلك. لكنها لمّا كانت في بعض العيدان أكثر، و كان مانعها أضعف، كان ظهورها أسرع، و أجزاؤها إذا ظهرت أعظم. و كذلك ما كمن منها في الحجارة. و لو كانت أجناس الحجارة مستوية في الاستسرار[٤]فيها، لما كان حجر المرو أحقّ بالقدح إذا صكّ بالقدّاحة، من غيره من الحجارة، و لو طال مكثه في النار و نفخ عليه بالكير.
و لم صار لبعض العيدان جمر باق، و لبعضها جمر سريع الانحلال، و بعضها لا يصير جمرا؟و لم صار البرديّ مع هشاشته و يبسه و رخاوته، لا تعمل فيه النيران؟ و لذلك إذا وقع الحريق في السّوق سلم كل مكان يكون بين أضعاف البردي. و لذلك ترى النار سريعة الانطفاء في أضعاف البرديّ، و مواضع جميع اللّيف.
و قال أبو إسحاق: فلم اختلفت في ذلك؟إلا على قدر ما يكون فيها من النار، و على قدر قوة الموانع و ضعفها.
[١]المرخ و العفار: شجران يتخذ منهما زناد القدح.
[٢]العنّاب: شجر مثمر من الفصيلة السّدرية، له ثمرة نووية حلوة تؤكل. معجم الألفاظ الزراعية ٣٧٢.
[٣]في اللسان «حفأ» : (الحفأ: البردي. و قيل: هو البردي الأخضر ما دام في منبته، و قيل هو أصله الأبيض الرطب الذي يؤكل) و في معجم الألفاظ الزراعية ٢٠٩: (البردي نوع مائي كانوا يصنعون ورق البردي من لحائه) . و انظر المخصص ١١/١٦٦.
[٤]الاستسرار: الكمون.