الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٧ - ١٢٩٥- القول في البرودة و الثلج
و يقضم قضما، و يمزج بالأشربة، و يدفن فيه الماء و كثير من الفواكه.
و ربما أخذ بعض المترفين القطعة منه كهامة[١]الثور، فيضعها على رأسه ساعة من نهار، و يتبرّد بذلك.
و لو أقام إنسان على قطعة من الثلج مقدار صخرة في حمدان ريح[٢]ساعة من نهار، لما خيف عليه المرض قطّ.
فلو كان المبالغة في التنفير و الزجر أراد، و إليه قصد؛ لذكر ما هو في الحقيقة عند الأمم أشدّ. و الوعيد بما هو أشد، و بما يعم بالخوف سكان البلاد الباردة و الحارة أشبه، إذا كان المبالغة يريد.
و الثلج قد يداوى به بعض المرضى، و يتولد فيه الدود، و تخوضه الحوافر، و الأظلاف، و الأخفاف، و الأقدام، بالليل و النهار، في الأسفار.
و في أيام الصيد يهون على من شرب خمسة أرطال نبيذ أن يعدو عليه خمسة أشواط.
١٢٩٤- (معارضة بعض المجوس في عذاب النار)
و قد عارضني بعض المجوس و قال: فلعلّ أيضا صاحبكم إنما توعّد أصحابه بالنار، لأن بلادهم ليست ببلاد ثلج و لا دمق[٣]، و إنما هي ناحية الحرور و الوهج و السّموم[٤]، لأن ذلك المكروه أزجر لهم. فرأي هذا المجوسي أنه قد عارضني! فقلت له: إن أكثر بلاد العرب موصوفة بشدة الحر في الصيف. و شدة البرد في الشتاء؛ لأنها بلاد صخور و جبال، و الصخر يقبل الحر و البرد و لذلك سمت الفرس بالفارسية، العرب و الأعراب: «كهيان» ، و الكه بالفارسية هو الجبل. فمتى أحببت أن تعرف مقدار برد بلادهم في الشتاء و حرّها في الصيف، فانظر في أشعارهم، و كيف قسّموا ذلك، و كيف وضعوه لتعرف أن الحالتين سواء عندهم في الشدة.
١٢٩٥-[القول في البرودة و الثلج]
و البلاد ليس يشتد بردها على كثرة الثلج، فقد تكون بلدة أبرد و ثلجها أقل، [١]الهامة: الرأس.
[٢]حمدان الريح: لعله من قولهم: يوم محتمد: أي شديد الحر.
[٣]الدمق: الثلج مع الريح يغشى الإنسان من كل أوب حتى يكاد يقتل من يصيبه.
[٤]السموم: الريح الحارة.