الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٠٣ - ١٦٥٩- القول في القطا
ذلك. و أما الذي لا يعرفه إلا الخاصة فالكفاية التامة، و التعظيم الدائم، و إهمال الفكر، و الأنف من التعلّم. هذا قول أبي إسحاق.
و قال أبو إسحاق[١]: ثلاثة أشياء تخلق العقل، و تفسد الذهن: طول النظر في المرآة، و الاستغراق في الضحك، و دوام النظر إلى البحر.
و قال معمّر: قطعت في ثلاثة مجالس، و لم أجد لذلك علة؛ إلا أني أكثرت في أحد تلك الأيام من أكل الباذنجان، و في اليوم الآخر من أكل الزيتون، و في اليوم الثالث من الباقلّى.
و زعم أنه كلم رجلا من الملحدين في بعض العشايا، و أنه علاه علوّا ظاهرا قاهرا، و أنه بكر على بقية ما في مسألته من التخريج، فأجبل و أصفى[٢]، فقال له خصمه: ما أحدثت بعدي؟قال: قلت: ما أتّهم إلا إكثاري البارحة من الباذنجان! فقال لي-و ما خالف إلى التّهمة: ما أشكّ أنك لم تؤت إلا منه! و قال لي من أثق به: ما أخذت قط شيئا من البلاذر فنازعت أحدا إلا ظهرت عليه.
و قال أبو ناضرة: ما أعرف وجه انتفاع الناس بالبلاذر إلا أن يؤخذ للعصب.
قلت: فأي شيء بقي بعد صلاح العصب، و أنتم بأجمعكم تزعمون أن الحسّ للعصب خاصة؟
باب في القطا
١٦٥٩-[القول في القطا]
تقول العرب: «أصدق من قطاة[٣]» و «أهدى من قطاة» [٤].
و في القطا أعجوبة، و ذلك أنها لا تضع بيضها أبدا إلا أفرادا، و لا يكون بيضها أزواجا أبدا. و قال أبو وجزة[٥]: [من البسيط]
و هنّ ينسبن وهنا كلّ صادقة # باتت تباشر عرما غير أزواج
[١]عيون الأخبار ٣/٢٧٢.
[٢]أجبل: صعب عليه القول. أصفى الرجل من المال: خلا.
[٣]مجمع الأمثال ١/٤١٢، و الدرة الفاخرة ١/٢٦٣، ٢٦٥، و جمهرة الأمثال ١/٥٨٤، و المستقصى ١/٢٠٦، و أمثال ابن سلام ٣٦٣.
[٤]مجمع الأمثال ٢/٤٠٩، و جمهرة الأمثال ٢/٣٥٣.
[٥]البيت لأبي وجزة في اللسان (زوج، هدج، عرم، قطا) ، و الأساس (نسب) ، و التاج (عرم، قطا) ، و التهذيب ٢/٣٩٢، ٩/٢٤١، و ربيع الأبرار ٥/٤٤٩، و بلا نسبة في المخصص ٤/٤٦.