الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٢٨٧ - ١٦٣٢- فضل الإنسان على سائر الحيوان
وَ سَخَّرَ لَكُمْ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ [١]ليس هو الصورة، و أنه خلق من نطفة و أن أباه خلق من تراب، و لا أنه يمشي على رجليه، و يتناول حوائجه بيديه، لأن هذه الخصال كلها مجموعة في البله و المجانين، و الأطفال و المنقوصين.
و الفرق الذي هو الفرق إنما هو الاستطاعة و التمكين. و في وجود الاستطاعة وجود العقل و المعرفة. و ليس يوجب وجودهما وجود الاستطاعة.
و قد شرّف اللّه تعالى الجانّ و فضّله على السّبع و البهيمة، بالذي أعطاه من الاستطاعة الدالة على وجود العقل و المعرفة.
و قد شرّف اللّه الملائكة و فضلهم على الجانّ، و قدمهم على الإنسان و ألزمهم من التكليف على حسب ما خوّلهم من النعمة. و ليست لهم صورة الإنسان و لم يخلقوا من النّطف، و لا خلق أبوهم من التراب. و إنما الشأن في العقل، و المعرفة، و الاستطاعة.
أ فتظنّ أن اللّه عز و جل يخصّ بهذه الخصال بعض خلقه دون بعض، ثم لا يطالبهم إلا كما يطالب بعض من أعدمه ذلك، و أعراه منه؟!فلم أعطاه العقل، إلا للاعتبار و التفكير؟!و لم أعطاه المعرفة، إلا ليؤثّر الحقّ على هواه؟!و لم أعطاه الاستطاعة، إلا لإلزام الحجة؟! فهل فكّرت قطّ في فصل[٢]ما بينك و بين الخلق المسخّر لك، و بين الخلق الذي جعل لك و الخلق المسلط عليك؟!و هل فكّرت قط في فصل ما بين ما جعله عليك عاديا؟!و بين ما جعله لك غاذيا؟!و هل فكرت قطّ في فصل ما بين الخلق الذي جعل لك عذابا، و الخلق الذي جعل لك قاتلا، و بين ما آنسه بك و بين ما أوحشه منك، و بين ما صغّره في عينك و عظّمه في نفسك، و بين ما عظّمه في عينك و صغّره في نفسك؟!.
بل هل فكرت في النحلة و العنكبوت و النملة، أنت ترى اللّه تقدّس و عزّ كيف نوّه بذكرها و رفع من قدرها، و أضاف إليها السّور العظام، و الآيات الجسام، و كيف جعل الإخبار عنها قرآنا و فرقانا، حيث يقول: وَ أَوْحىََ رَبُّكَ إِلَى اَلنَّحْلِ [٣]. فقف [١]١٣/الجاثية: ٤٥.
[٢]الفصل: الفرق.
[٣]١/النحل: ١٦.