الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٢٢ - ١٢٧٨- قول الدّهرية في أركان العالم
و وجدنا كلّ ذلك إما ضارّا و إما نافعا، و إما غاذيا و إما قاتلا، و إما مؤلما و إما ملذّا.
و ليس يكون كون الأرض مالحة أو عذبة، و منتنة أو طيبة أحقّ بأن يكون علة لكون اليبس و البرد، و الحر و الرطوبة، من أن يكون كون الرطوبة و اليبس، و الحر و البرد-علّة لكون اللون و الطعم و الرائحة.
و قد هجم الناس على هذه الأعراض الملازمة، و الأجسام المشاركة هجوما واحدا، على هذه الحلية و الصورة ألفاها الأول و الآخر.
قال: فكيف وقع القول منهم على نصيب هذه الحاسّة[١]، وحدها و نحن لم نر من البلّة، أو من اليبس نفعا و لا ضرّا، تنفرد به دون هذه الأمور؟!.
قال: و الهواء يختلف على قدر العوامل فيه من تحت و من فوق، و من الأجرام المشتملة عليه و المخالطة له. و هو جسم رقيق، و هو في ذلك محصور، و هو خوّار سريع القبول. و هو مع رقّته يقبل ذلك الحصر؛ مثل عمل الريح و الزّقّ[٢]، فإنها تدفعه من جوانبه، و ذلك لعلة الحصر و لقطعه عن شكله.
و الهواء ليس بالجسم الصعاد، و الجسم النّزّال، و لكنه جسم به تعرف المنازل و المصاعد.
و الأمور ثلاثة: شيء يصعد في الهواء، و شيء ينزل في الهواء، و شيء مع الهواء. فكما أن الصاعد فيه، و المنحدر-لا يكونان إلا مخالفين، فالواقع معه لا يكون إلا موافقا.
و لو أنّ إنسانا أرسل من يده-و هو في قعر الماء-زقّا[٢]منفوخا، فارتفع الزّقّ لدفع الريح التي فيه، لم يكن لقائل أن يقول: ذلك الهواء شأنه الصعود بل إنما ينبغي أن يقول: ذلك الهواء من شأنه أن يصير إلى جوهره، و لا يقيم في غير جوهره؛ إلا أن يقول: من شأنه أن يصعد في الماء، كما أن من شأن الماء أن ينزل في الهواء، و كما أن الماء يطلب تلاد الماء، و الهواء يطلب تلاد الهواء.
قالوا: و النار أجناس كثيرة مختلفة. و كذلك الصاعد. و لا بدّ إذا كانت مختلفة [١]أي حاسة اللمس.
[٢]المزق: أي الهواء المحصور في الزق، و الزق: السقاء و القربة.