الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٢٠ - ١٢٧٧- تخطئة من زعم أن الحرارة تورث اليبس
الملابسة لأجزاء النار. و لقوة حركة النار و طلبها التّلاد[١]العلويّ، كان ذلك. فمتى وجد من لا علم له في أسفل القمقم كالجبس[٢]، أو وجد الباقي من الماء مالحا عند تصعّد لطائفه، على مثال ما يعتري ماء البحر-ظنّ أن النار التي أعطته اليبس.
و إن زعموا أن النار هي الميبّسة-على معنى ما قد فسرنا-فقد أصابوا. فإن ذهبوا إلى غير المجاز أخطئوا.
و كذلك الحرارة، إذا مكنت في الأجساد بعثت الرطوبات و لابستها، فمتى قويت على الخروج أخرجتها منه، فعند خروج الرطوبات توجد الأبدان يابسة، ليس أن الحرّ يجوز أن يكون له عمل إلا التسخين و الصعود؛ و التقلب إلى الصعود من الصعود، كما أن الاعتزال من شكل الزوال[٣].
و كذلك الماء الذي يفيض إلى البحر من جميع ظهور الأرضين و بطونها، إذا صار إلى تلك الحفرة العظيمة. فالماء غسّال مصّاص، و الأرض تقذف إليه ما فيها من الملوحة.
و حرارة الشمس و الذي يخرج إليه[٤]من الأرض، من أجزاء النيران المخالطة يرفعان لطائف الماء بارتفاعهما، و تبخيرهما. فإذا رفعا اللطائف، فصار منهما مطر و ما يشبه المطر، و كان ذلك دأبهما، عاد ذلك الماء ملحا لأن الأرض إذا كانت تعطيه الملوحة، و النيران تخرج منه العذوبة و اللطافة-كان واجبا أن يعود إلى الملوحة.
و لذلك يكون ماء البحر أبدا على كيل واحد، و وزن واحد؛ لأن الحرارات تطلب القرار و تجري في أعماق الأرض، و ترفع اللطائف[٥]؛ فيصير مطرا، و بردا، و ثلجا، و طلاّ[٦]. ثم تعود تلك الأمواه سيولا تطلب الحدور[٧]، و تطلب القرار، و تجري في أعماق الأرض، حتى تصير إلى ذلك الهواء. فليس يضيع من ذلك الماء شيء، و لا يبطل منه شيء. و الأعيان قائمة. فكأنه منجنون[٨]غرف من بحر، و صبّ في جدول يفيض إلى ذلك النهر.
[١]التّلاد: أراد: الموطن الأول، و انظر الفقرة (١٢٦٩) ، ص ٧، س ١٩.
[٢]الجبس: الذي يبنى به.
[٣]إيضاحا لهذه العبارة؛ انظر ص ١٨.
[٤]أي إلى البحر.
[٥]اللطائف: أراد بها: الأبخرة الدقيقة.
[٦]البرد: حب الغمام. الطل: المطر الضعيف.
[٧]الحدور: مكان الانحدار.
[٨]المنجنون: دولاب يستقى عليه. و هو على شكل الناعورة.