الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٩٧ - ١٤٩٦- قصتان في من لسعته العقرب
كنت بالبادية و رأيت ناقة ترتع، و فصيلها يرتضع من أخلافها، إذ نهشت الناقة على مشافرها أفعى، فبقيت واقفة سادرة، و الفصيل يرتضع، فبينا هو يرتضع إذ خرّ ميّتا.
فكان موته قبل موت أمّه من العجب. و كان مرور السمّ في تلك الساعة القصيرة أعجب، و كان ما صار من فضول سمها في لبن الضّرع حتى قتل الفصيل قبل أمه عجبا آخر.
و المرأة المرضع تشرب النبيذ فيسكر عن لبنها الرضيع و تشرب دواء المشي فيعتري الرضيع الخلفة[١]. فلذلك يختار الحكماء لأولادهم الظئر البريئة من الأدواء:
في عقلها، و في بدنها.
و توهّموا أن اللبن إنما نجع في الفصيل لقرابة ما بين اللبن و الدّم، فصار ذلك السمّ أسرع إليه منه إلى أمه. و لعل ضعف الفصيل قد أعان أيضا على ذلك.
١٤٩٦-[قصتان في من لسعته العقرب]
قال أبو عبيدة[٢]: لسعت أعرابيّا عقرب بالبصرة، فخيف عليه فاشتدّ جزعه، فقال بعض الناس: ليس شيء خيرا له من أن تغسل له خصية زنجي عرق-و كانت ليلة غمقة[٣]-فلما سقوه قطب[٤]، فقيل له: طعم ما ذا تجد؟قال: طعم قربة جديدة.
و خبرني محمد و عليّ ابنا بشير، أن ظئرا لسليمان بن رياش لسعتها عقرب فملأت الدنيا صراخا، فقال سليمان: اطلبوا لها هذه العقرب، فإن دواءها أن تلسعها لسعة أخرى في ذلك المكان، فقالت العجوز: قد برئت، و قد سكن وجعي، و لا حاجة لي إلى هذا العلاج. قال: فأتوه بعقرب لا و اللّه إن يدرى: أ هي تلك أم غيرها؟فأمر بها فأمسكت فقالت: أنشدك باللّه و اللبن فأبى و أرسلها عليها. فلسعتها فغشي عليها و مرضت زمانا و تساقط شعر رأسها. فقيل لسليمان في ذلك فقال: يا مجانين!لا و اللّه إن ردّ عليّ روحها إلا اللسعة الثانية. و لو لا هي لقد كانت ماتت.
[١]الخلفة: استطلاق البطن.
[٢]عيون الأخبار ٢/١٠٣، و ربيع الأبرار ٥/٤٧٦.
[٣]غمقة: ثقيلة الندى مع سكون الريح.
[٤]قطب: زوى ما بين عينيه.