الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٨ - ١٢٧٦- علاقة الذكاء بالجنس
١٢٧٥-[تأويل النظام لقولهم: النار يابسة]
و كان أبو إسحاق يتعجب من قولهم: النار يابسة. قال: أما قولهم: الماء رطب، فيصح؛ لأنا نراه سيّالا. و إذا قال الأرض يابسة، فإنما يريد التراب المتهافت فقط. فإن لم يرد إلا بدن الأرض الملازم بعضه لبعض؛ لما فيها من اللّدونة فقط، فقد أخطأ، لأن أجزاء الأرض مخالطة لأجزاء الماء، فامتنعت من التهافت على أقدار ذلك.
و متى حفرنا و دخلنا في عمق الأرض، وجدنا الأرض طينا؛ بل لا تزال تجد الطين أرطب حتى تصير إلى الماء. و الأرض اليوم كلها أرض و ماء، و الماء ماء و أرض، و إنما يلزمها من الاسم على قدر الكثرة و القلة. فأما النار فليست بيابسة البدن. و لو كانت يابسة البدن لتهافتت تهافت التراب، و لتبرّأ بعضها من بعض. كما أن الماء لما كان رطبا كان سيّالا.
و لكن القوم لما وجدوا النار تستخرج كل شيء في العود من النار فظهرت الرطوبات لذلك السبب، و وجدوا العود تتميز أخلاطه عند خروج نيرانه التي كانت إحدى مراتعها من التمييز فوجدوا العود قد صار رمادا يابسا متهافتا-ظنوا أن يبسه إنما هو مما أعطته النار و ولّدت فيه.
و النار لم تعطه شيئا، و لكن نار العود لما فارقت رطوبات العود، ظهرت تلك الرطوبات الكامنة و المانعة، فبقي من العود الجزء الذي هو الرماد، و هو جزء الأرض و جوهرها؛ لأن العود فيه جزء أرضيّ، و جزء مائيّ، و جزء ناريّ، و جزء هوائيّ، فلما خرجت النار و اعتزلت الرطوبة بقي الجزء الأرضيّ.
فقولهم: النار يابسة، غلط، و إنما ذهبوا إلى ما تراه العيون، و لم يغوصوا على مغيّبات العلل.
و كان يقول: ليس القوم في طريق خلّص المتكلمين، و لا في طريق الجهابذة المتقدّمين.
١٢٧٦-[علاقة الذكاء بالجنس]
و كان يقول: إنّ الأمّة التي لم تنضجها الأرحام[١]، و يخالفون في ألوان أبدانهم، [١]أراد بذلك سكان الإقليم السادس و السابع في التقسيم البلداني القديم، و هم من الجنس الأبيض. - ـ