الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٧٤ - ١٤٤٩- سبب نجاح زرادشت
أ و ليس معلوما من أخلاقها اجتذاب فتائل المصابيح رغبة في تلك الأدهان، حتى ربما جذبتها جهلا و في أطرافها الأخر السّرج تستوقد فتحرق بذلك القبائل الكثيرة، بما فيها من الناس و الأموال و الحيوان؟!.
و هي بعد آكل للبيض و أصناف الفراخ من الحيّات لها.
فكيف لم تكن من هذه الجهة من خلق الشيطان؟!.
هذا، و بين طباعها و طباع الإنسان منافرة شديدة، و وحشة مفرطة. و هي لا تأنس بالناس و إن طالت معايشتها لهم و السّنّور آنس الخلق بهم.
و كيف تأنس بهم و هم لا يقلعون عن قتلها ما لم تقلع هي عن مساءتهم؟!فلو كنّ مما يؤكل لكان في ذلك بعض المرفق[١]. فكيف و إنها لتلقى في الطريق ميّتة، فما يعرض لها الكلب الجائع! فالأمم كلها على التفادي منها و اتخاذ السنانير لها.
و زرادشت بهذا العقل دعا الناس إلى نكاح الأمهات، و إلى التوضؤ بالبول، و إلى التوكيل في نيك المغيبات، و إلى إقامة سور للسّنب[٢]، و صاحب الحائض و النفساء[٣].
١٤٤٩-[سبب نجاح زرادشت]
و لو لا أنّه صادف دهرا في غاية الفساد، و أمّة في غاية البعد من الحرية و من الغيرة و الألفة، و من التقزّز و التنظف، لما تمّ له هذا الأمر.
و قد زعم ناس أن ذلك إنما كان و إنما تمّ لأنه بدأ بالملك[٤]؛ فدعاه على قدر ما عرف من طباعه و شهوته و خلقه. فكان الملك هو الذي حمل على ذلك رعيّته.
و الذي قال هذا القول ليس يعرف من الأمور إلا بقدر ما باين[٥]به العامّة؛ لأنه لا يجوز أن يكون الملك حمل العامّة على ذلك، إلا بعد أن يكون زرادشت ألفى [١]المرفق: المنفعة.
[٢]سور للسنب: كلمتان فارسيتان معناهما عيد للخفض، و نساء المجوس يحتفلون يوم تطهير المرأة.
[٣]من عادة المجوس تكريم صاحب الحائض في أول يوم يحدث الطمث فيه لابنته البالغ، لأنه أصبح أبا مستعدّا لزيادة البشر.
[٤]الملك هو يستاسف بن لهراسف، أتاه زرادشت بدين المجوسية. انظر مروج الذهب ١/٢٧٠ (باب ملوك الفرس الأولى) .
[٥]باين: فارق.