الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٧٣ - ١٤٤٨- قول زرادشت في الفأر و السنور و الردّ عليه
و زعم زرادشت أن السّنّور لو بال في البحر، لقتل عشرة آلاف سمكة.
فإن كان إنما استبصر في ذمّه في قتل السمك فالسمك أحقّ بأن يكون من خلق الشيطان؛ لأن السمك يأكل بعضه بعضا، و الذكر يتبع الأنثى في زمان طرح البيض، فكلما قذفت به التهمه. و إن غرق إنسان في الماء، بحرا كان أو واديا، أو بعض ذوات الأربع-فالسمك أسرع إلى أكله من الضّباع و السنور إلى الجيف.
و على أنّ اعتلاله على السنور، و قوله: لو بال في البحر قتل عشرة آلاف سمكة.
فما يقول فيمن زعم أن الجرذ لو بال في البحر قتل مائة ألف سمكة؟و بأي شيء يبين منه؟و هل ينبغي لمن كسر هذا القول الظاهر الكسر، المكشوف الموق[١]أن يفرح؟!و هل تقرّ الجماعة و الأمم بأنّ في الفأر شيئا من المرافق؟!و هل يمازج مضرّتها شيء من الخير و إن قلّ؟!أ و ليست الفأر و الجرذان هي التي تأكل كتب اللّه تعالى، و كتب العلم، و كتب الحساب؛ و تقرض الثّياب الثمينة، و تطلب سرّ نوى[٢] القطن، و تفسد بذلك اللّحف و الدّواويج[٣]و الجباب، و الأقبية و الخفاتين[٤]، و تحسو الأدهان، فإن عجزت أفواهها أخرجتها بأذنابها؟!أ و ليست التي تنقب السّلال و تقرض الأوكية[٥]و تأكل الجرب حتى يعلّق المتاع في الهواء إذا أمكن تعليقه؟!.
و تجلب إلى البيوت الحيّات؛ للعداوة التي بينها و بين الحيّات، و لحرص الحيّات على أكلها، فتكون سببا في اجتماعها في منازلهم، و إذا كثرن قتلن النفوس.
و قال ابن أبي العجوز: لو لا مكان الفأر لما أقامت الحيّات في بيوت الناس، إلا ما لا بال به من الإقامة.
و تقتل الفسيل[٦]و النخل، و تهلك العلف و الزرع، و ربما أهلكن القراح[٧] كله، و حملن شعير الكدس و برّه.
[١]الموق: الحمق.
[٢]سر النوى: لبه.
[٣]الدواويج: جمع دوّاج، و هو ضرب من الثياب.
[٤]الخفاتين: جمع خفتان، و هو ثوب يلبس تحت السلاح، أي الدرع و نحوه. انظر معجم استينجاس ٤٦٨.
[٥]الأوكية: جمع وكاء، و هو رباط القربة.
[٦]الفسيل: صغار النخل.
[٧]القراح: الأرض المخلصة لزرع أو لغرس.