الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٧٢ - ١٤٤٨- قول زرادشت في الفأر و السنور و الردّ عليه
و سائر الحيوان إنما يعتريه الضّعف عن أمثاله إذا خصي و ترك أمثاله على حالها.
١٤٤٨-[قول زرادشت في الفأر و السنور و الردّ عليه]
ثم رجعنا إلى قول زرادشت في الفأر.
زعم زرادشت أن الفأرة من خلق اللّه. و أن السنّور من خلق الشيطان. فقيل للمجوس: ينبغي على أصل قولكم أن يكون الشيء الذي خلق اللّه خيرا كله و نفعا كلّه، و مرفقا[١]كله، و يكون ما خلق الشيطان على خلاف ذلك. و نحن نجد عيانا أن الذي قلتم به خطأ. رأينا الناس كلهم يرون أن الفأر بلاء ابتلوا به، فلم يجدوا بدّا من الاحتيال لصرف مضرّته، كالداء النازل الذي يلتمس له الشفاء. ثم وجدناهم قد أقاموا السنانير مقام التداوي و التعالج، و أقاموا الفأر مقام الداء الذي أنزله اللّه، و أمر بالتداوي منه، فاجتلبوا لذلك السنانير و بنات عرس، ثم نصبوا لها ألوان الصيّادات، و صنعوا لها ألوان السّموم و المعجونات التي إذا أكلت منها ماتت. و استفرهوا[٢] السنانير و اختاروا الصيّادات.
و اجتبوا السّنّور دون ابن عرس، لأن ابن عرس يعمل في الفأر و الطير كعمل الذّئب بالغنم، فأوّل ما يصنع بالفريسة أن يذبحها، ثم لا يأكلها إلا في الفرط.
و السّنّور يقتل ثم يأكل. فالفار من السنور أشدّ فزعا، و هو الذي قوبل به طباعها و طباعه.
و كما أن الذي يأكل الدجاج كثير، و أن الذي جعل بإزائه ابن آوى. و كما أن الذي يأكل الغنم كثير، و الذي جعل بإزائها الذئب.
و الأسد أقوى منه على النعجة، و النّعجة من الذّئب أشد فرقا[٣].
و الحيّات تطالب الفأر و الجرذان، و هي من السنور أشد فزعا.
و إن كان في الجرذان ما يساوي السنور فإنها منه أشد فزعا.
فإن كنتم إنما جعلتموه من خلق الشيطان لأكله صنفا واحدا من خلق اللّه- فالأصناف التي يأكلها من خلق الشيطان أكثر.
[١]المرفق: ما استعين به.
[٢]يستفره: يختار الفاره الجيد.
[٣]الفرق: الخوف.