الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٦٢ - ١٤٣١- ضروب الفأر
سقيا لسنّوة فجعت بها # كانت لميثاء حقبة سكنا[١]
١٤٣١-[ضروب الفأر]
قال: و الفأر ضروب: فمنها الجرذان و الفأر المعروفان، و هما كالجواميس و البقر، و كالبخت و العراب. و منها الزباب. و منها الخلد. و اليرابيع شكل من الفأر، و اسم ولد اليربوع درص، مثل ولد الفأر.
و من الفأر فأرة المسك[٢]، و هي دويبة تكون في ناحية تبّت، تصاد لنوافجها و سررها[٣]، فإذا اصطادها صائد عصب سرّتها بعصاب شديد، و سرّتها مدلاة، فيجتمع فيها دمها فإذا أحكم ذلك ذبحها.
و ما أكثر من يأكلها-فإذا ماتت قوّر السرة التي كان عصبها له و الفأرة حيّة، ثم دفنها في الشعير حتى يستحيل ذلك الدم المحتقن هناك، الجامد بعد موتها، مسكا ذكيا، بعد أن كان ذلك الدّم لا يرام نتنا.
قال: و في البيوت أيضا قد يوجد فأر مما يقال له: فأر المسك، و هي جرذان سود ليس عندها إلا تلك الرائحة اللازمة له.
قال: و في الجرذان جنس لها عبث بالعقود و الشّنوف[٤]، و الدراهم و الدنانير، على شبيه بالذي عليه خلق العقعق[٥]؛ إلا أن هذه الجرذان تفرح بالدنانير و الدراهم، و بخشخاش الحلي. و ذلك أنها تخرجها من جحورها في بعض الزمان، فتلعب عليها و حواليها، ثم تنقلها واحدا واحدا، حتى تعيدها عن آخرها إلى موضعها.
فزعم الشّرقيّ بن القطاميّ-و قد رووه عن شوكر أن رجلا[٦]من أهل الشام اطّلع على جرذ يخرج من جحره دينارا دينارا، فلما رآه قد أخرج مالا صالحا استخفّه الحرص، فهمّ أن يأخذه، ثم أدركه الحزم، و فتح له الرزق المقسوم بابا من الفطنة، [١]ميثاء: اسم لامرأة. الحقبة: مدة من الدهر. سكنا: هو كل ما سكنت إليه و اطمأننت به من أهل و غيره.
[٢]هذا القول حتى قوله «لا يرام نتنا» نقله ابن منظور في اللسان ٥/٤٢-٤٣ (فأر) ، و النويري في نهاية الأرب ١٠/١٧١.
[٣]النوافج: جمع نافجة، و هي وعاء المسك. السرر: جمع سرة؛ و هي الوقبة في وسط البطن.
[٤]الشنوف: جمع شنف، و هو القرط.
[٥]العقعق: طائر مولع بالسرقة. انظر ما تقدم في ص ٨٤-٨٥.
[٦]الخبر في ربيع الأبرار ٥/٤٧٣. ـ