الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٥٥ - ١٤٢٢- إطلاق الناطق على الحيوان
الذكر إلى الصامت. و لهذا الفرق أعطوه هذه المشاكلة، و هذا الاشتقاق. فإذا تهيأ من لسان بعضها من الحروف مقدار يفضل به على مقادير الأصناف الباقية، كان أولى بهذا الاسم عندهم. فلما تهيأ للقطاة ثلاثة أحرف قاف. و طاء، و ألف، و كان ذلك هو صوتها، سمّوها بصوتها. ثم زعموا أنها صادقة في تسميتها نفسها قطا. قال الكميت[١]: [من مجزوء الكامل]
كالناطقات الصادقا # ت الواسقات من الذّخائر[٢]
و قال الآخر و ذكر القطاة[٣]: [من الطويل]
و صادقة قد خبّرت، ما بعثتها # طروقا، و باقي الليل في الأرض مسدف[٤]
فجعلها مخبرة، و جعل خبرها صدقا، حين زعمت أنها قطا؛ و إنّ كانت القطاة لم ترم[٥]ذلك.
و العرب تتوسع في كلامها. و بأي شيء تفاهم الناس فهو بيان، إلا أن بعضه أحسن من بعض.
و الذي تهيأ للشاة قولها: ما، و لذلك قال ذو الرّمة[٦]: [من البسيط]
لا يرفع الصّوت إلا ما تخوّنه # داع يناديه باسم الماء مبغوم[٧]
و قال أبو عبّاد النميريّ لخربق العميريّ، و كان يتعشّقه و رآه قد اشترى أضحية، فقال: [من المجتث]
يا ذابح الماه ماه # فعلت فعل الجفاه
أ ما رحمت من المو # ت يا خريبق شاه
و الصبيان هم الذين يسمون الشاة: ماه، كأنهم سموها بالذي سمعوه منها، حين جهلوا اسمها.
[١]ديوان الكميت ١/٢٣٦، و أساس البلاغة (أبي) ، و العمدة ٢/٢٧.
[٢]الواسقات: الجامعات.
[٣]البيت للفرزدق في اللسان و التاج (عشش) ، و ليس في ديوانه.
[٤]طروقا: ليلا. مسدف: مظلم.
[٥]رام الشيء: أراده.
[٦]ديوان ذي الرمة ٣٩٠، و الخزانة ٤/٣٤٤، و الخصائص ٣/٢٩.
[٧]الماء: حكاية صوت الشاة. بغمت الظبية: صاحت إلى ولدها بأرخم ما يكون من صوتها.