الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٣ - ١٢٧٣- في المجاز و التشبيه بالأكل
تعالى، عزّ اسمه: أَكََّالُونَ لِلسُّحْتِ [١]. و قد يقال لهم ذلك و إن شربوا بتلك الأموال الأنبذة، و لبسوا الحلل، و ركبوا الدوابّ، و لم ينفقوا منها درهما واحدا في سبيل الأكل.
و قد قال اللّه عزّ و جلّ: إِنَّمََا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نََاراً [٢]. و هذا مجاز آخر.
و قال الشاعر في أخذ السّنين من أجزاء الخمر[٣]: [من الخفيف]
أكل الدّهر ما تجسّم منها # و تبقّى مصاصها المكنونا[٤]
و قال الشاعر: [من السريع]
مرّت بنا تختال في أربع # يأكل منها بعضها بعضا[٥]
و هل قوله[٦]: «و قد أكلت أظفاره الصّخر» ، إلا كقوله[٧]: [من الطويل]
كضبّ الكدى أفنى براثنه الحفر[٨]
و إذا قالوا: أكله الأسد، فإنما يذهبون إلى الأكل المعروف. و إذا قالوا: أكله الأسود[٩]، فإنما يعنون النّهش و اللّدغ و العضّ فقط.
و قد قال اللّه عزّ و جلّ: أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً [١٠].
و يقال: هم لحوم الناس.
[١]٤٢/المائدة: ٥
[٢]١٠/النساء: ٤.
[٣]البيت لأبي نواس في ديوانه ٣٠.
[٤]المصاص: خالص كل شيء، و رواية الديوان «و تبقى لبابها» ، المكنون: المستور.
[٥]أربع: أراد: صواحبها، و أراد أنها في تثنّيها و تعطّفها كأنما يأكل بعضها بعضا.
[٦]جزء من بيت لأوس بن حجر، ورد في الصفحة السابقة.
[٧]صدر البيت: (ترى الشّرّ قد أفنى دوائر وجهه) ، و هو لخالد بن علقمة في ديوان علقمة الفحل ١١٠، و لابن الطيفان خالد بن علقمة بن مرثد في المؤتلف و المختلف ٢٢١، و للزبرقان بن بدر في المقاصد النحوية ٤/١٧١، و للحصين بن القعقاع في ثمار القلوب (٦١٣) .
[٨]في ديوان علقمة: «قد أفنى دوائر وجهه، أي: قد ملأ الشر وجهه أجمع؛ فأنت تستبين أثر الشر و تغييره في وجهه. و قوله: كضب الكدى: الضب لا يحتفر أبدا إلا في مكان صلب كيلا يهدم عليه جحره، و استعار للضب أنامل مكان البراثن لما أخبر عنه بمثل ما يخبر به عن الآدميين من الحفر» .
[٩]الأسود: ضرب خبيث من الأفاعي.
[١٠]١٢/الحجرات: ٤٩.