الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١١٦ - ١٣٥٩- حب العصافير فراخها
و ليس ذلك كالحجر و الفرس، و الرّمكة و البرذون، و الناقة و الجمل، و العير و الأتان، و الأسد و اللّبوة، فإن هذه الأجناس تقبل نحوك فلا ينفصل في العين الأنثى من الذكر، حتى تتفقّد مواضع القنب[١]و الأطباء[٢]، و موضع الضّرع و الثّيل[٣]، و موضع ثفر الكلبة[٤]من القضيب.
لأنّ للعصفور الذّكر لحية سوداء. و ليس اللحية إلا للرجل و الجمل، و التيس، و الدّيك، و أشباه ذلك. فهذه أيضا فضيلة للعصفور. و ذكر ابن الأعرابيّ أن للناقة عثنونا[٥]كعثنون الجمل، و أنها متى كان عثنونها أطول كان فيها أحمد.
١٣٥٩-[حب العصافير فراخها]
و ليس في الأرض طائر، و لا سبع و لا بهيمة، أحنى على ولد، و لا أشدّ به شعفا، و عليه إشفاقا[٦]-من العصافير. فإذا أصيبت بأولادها، أو خافت عليها العطب، فليس بين شيء من الأجناس من المساعدة، مثل الذي مع العصافير، لأن العصفور يرى الحيّة قد أقبلت نحو حجره و عشّه و وكره، لتأكل بيضه أو فراخه، فيصيح و يرنّق[٧]فلا يسمع صوته عصفور إلا أقبل إليه و صنع مثل صنيعه، بتحرّق و لوعة، و قلق، و استغاثة و صراخ، و ربما أفلت الفرخ و سقط إلى الأرض-و قد ذهبت الحيّة- فيجتمعن عليه، إذا كان قد نبت ريشه أدنى نبات، فلا يزلن يهيّجنه، و يطرن حوله، لعلمها أن ذلك يحدث للفرخ قوة على النّهوض فإذا نهض طرن حواليه و دونه، حتى يحتثثنه[٨]بذلك العمل.
و كان الخريميّ ينشد[٩]: [من الرجز]
و احتثّ كلّ بازل ذقون # حتى رفعن سيرة اللّجون[١٠]
[١]القنب: وعاء قضيب الدابة.
[٢]الأطباء: حلمات الضرع التي من خفّ و ظلف و حافر و سبع، و هي جمع طبي.
[٣]الثيل: وعاء قضيب البعير و غيره.
[٤]الثفر: كالحياء للناقة، و هو لكل ذات مخلب.
[٥]العثنون: شعيرات طوال تحت حنك البعير.
[٦]الشعف: أن يذهب الحب بفؤاده.
[٧]رنق الطائر: خفق بجناحيه في الهواء و ثبت و لم يطر.
[٨]الحث: الاستعجال.
[٩]ديوان الخريمي ٨٠، و بلا نسبة في اللسان (خدر) ، و التهذيب ٧/٢٦٦.
[١٠]في ديوانه، احتث: أسرع في سيره. البازل من الإبل: ما كان في التاسعة. الذقون: التي تميل ذقنها إلى الأرض تستعين بذلك على السير. اللجون: الثقيل المشي من الإبل.