البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٣١٥ - العنكبوت آيه ٣٥-٢٧
سَارَةَ بِنْتِ هَارَازَ بْنِ نَاخُورَ [١]،وَ كَانَتْ قَدْ آمَنَتْ بِهِ حِينَ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّارَ بَرْداً وَ سَلاَماً،فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ:أَنْ تَزَوَّجْ بِهَا يَا إِبْرَاهِيمُ-قَالَ-فَتَزَوَّجَ بِهَا،فَجَاءُوا عَلَى صُورَةِ الْبَشَرِ،الْمُعْتَجِرِينَ [٢] بِالْعَمَائِمِ،وَ كَانَ إِبْرَاهِيمُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)لاَ يَأْكُلُ إِلاَّ مَعَ الضَّيْفِ-قَالَ-فَانْقَطَعَتِ الْأَضْيَافُ عَنْهُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ،فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ،قَالَ:يَا سَارَةُ،قُومِي وَ اعْمَلِي شَيْئاً مِنَ الطَّعَامِ،فَلَعَلِّي أَخْرُجُ عَسَى أَنْ أَلْقَى ضَيْفاً.فَقَامَتْ لِذَلِكَ،وَ خَرَجَ إِبْرَاهِيمُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)فِي طَلَبِ الضَّيْفِ،فَلَمْ يَجِدْ ضَيْفاً،فَقَعَدَ فِي دَارِهِ يَقْرَأُ الصُّحُفَ الْمُنَزَّلَةَ عَلَيْهِ،فَلَمْ يَشْعُرْ إِلاَّ وَ الْمَلاَئِكَةُ قَدْ دَخَلُوا عَلَيْهِ مُفَاجَأَةً عَلَى خَيْلِهِمْ فِي زِينَتِهِمْ،فَوَقَفُوا بَيْنَ يَدَيْهِ،فَفَزِعَ مِنْ مُفَاجَأَتِهِمْ،حَتَّى قَالُوا:سَلاَماً،فَسَكَنَ خَوْفُهُ،فَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى:
لَقَدْ جٰاءَتْ رُسُلُنٰا إِبْرٰاهِيمَ بِالْبُشْرىٰ قٰالُوا سَلاٰماً [٣] ،وَ قَالَ تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى: هَلْ أَتٰاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرٰاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ* إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقٰالُوا سَلاٰماً قٰالَ سَلاٰمٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ [٤]،لِأَنَّهُ لاَ يَعْرِفُ صُوَرَهُمْ،فَرَحَّبَ بِهِمْ،وَ أَمَرَهُمْ بِالْجُلُوسِ،وَ دَخَلَ عَلَى سَارَةَ،وَ قَالَ لَهَا:قَدْ نَزَلَ عِنْدَنَا أَرْبَعَةُ أَضْيَافٍ حِسَانُ الْوُجُوهِ وَ اللِّبَاسِ،وَ قَدْ دَخَلُوا وَ سَلَّمُوا عَلَيَّ بِسَلاَمِ الْأَبْرَارِ،فَقَالَ لَهَا:وَ حَاجَتِي إِلَيْكِ أَنْ تَقُومِي وَ تَخْدُمِيهِمْ.فَقَالَتْ:عَهْدِي بِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ وَ أَنْتَ أَغْيَرُ النَّاسِ.فَقَالَ:هُوَ كَمَا تَقُولِينَ،غَيْرَ أَنَّ هَؤُلاَءِ أَعِزَّاءُ خِيَارٌ.
ثُمَّ عَمَدَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى عِجْلٍ سَمِينٍ فَذَبَحَهُ،وَ نَظَّفَهُ،وَ عَمَدَ إِلَى التَّنُّورِ فَسَجَرَهُ،فَوَضَعَ الْعِجْلَ فِي التَّنُّورِ حَتَّى اشْتَوَى،وَ ذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: فَمٰا لَبِثَ أَنْ جٰاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ [٥]،وَ الْحَنِيذُ الَّذِي يُشْوَى فِي الْحُفْرَةِ،وَ قَدِ انْتَهَى خُبُزُهُ وَ نَضَاجَتُهُ،فَوَضَعَ إِبْرَاهِيمُ الْعِجْلَ عَلَى الْخِوَانِ،وَ وَضَعَ الْخُبُزَ مِنْ حَوْلِهِ،وَ قَدَّمَهُ إِلَيْهِمْ،وَ وَقَفَتْ سَارَةُ عَلَيْهِمْ تَخْدُمُهُمْ،وَ إِبْرَاهِيمُ يَأْكُلُ وَ لاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ،فَلَمَّا رَأَتْ سَارَةُ ذَلِكَ مِنْهُمْ،قَالَتْ:يَا إِبْرَاهِيمُ،إِنَّ أَضْيَافَكَ هَؤُلاَءِ لاَ يَأْكُلُونَ شَيْئاً.فَقَالَ لَهُمْ إِبْرَاهِيمُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):أَ لاَ تَأْكُلُونَ؟وَ دَاخَلَهُ الْخَوْفُ مِنْ ذَلِكَ،وَ ذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَمّٰا رَأىٰ أَيْدِيَهُمْ لاٰ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَ أَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً [٦]،أَيْ أَضْمَرَ مِنْهُمْ خَوْفاً.
ثُمَّ قَالَ إِبْرَاهِيمُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ مَا تَأْكُلُونَ مَا قَطَعْنَا الْعِجْلَ عَنْ الْبَقَرَةِ.فَمَدَّ جَبْرَئِيلُ يَدَهُ نَحْوَ الْعِجْلِ، وَ قَالَ:قُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى.فَقَامَ وَ أَقْبَلَ نَحْوَ الْبَقَرَةِ حَتَّى الْتَقَمَ ضَرْعَهَا،فَعِنْدَ ذَلِكَ اشْتَدَّ خَوْفُ إِبْرَاهِيمَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،وَ قَالَ:
إِنّٰا مِنْكُمْ وَجِلُونَ* قٰالُوا لاٰ تَوْجَلْ إِنّٰا نُبَشِّرُكَ بِغُلاٰمٍ عَلِيمٍ* قٰالَ أَ بَشَّرْتُمُونِي عَلىٰ أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ * قٰالُوا بَشَّرْنٰاكَ بِالْحَقِّ فَلاٰ تَكُنْ مِنَ الْقٰانِطِينَ* قٰالَ وَ مَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضّٰالُّونَ [٧] -قَالَ-وَ كَانَتْ سَارَةُ قَائِمَةً فَلَمَّا سَمِعَتْ،قَالَتْ:أَوَّهْ [٨].وَ هِيَ الصَّرَّةُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
[١] في«ج»:فاخور.
[٢] الاعتجار:لف العمامة على الرأس.«الصحاح-عجر-٢:٧٣٧».
[٣] هود ١١:٦٩.
[٤] هود ١١:٦٩.
[٥] الذاريات ٥١:٢٤ و ٢٥.
[٦] هود ١١:٧٠.
[٧] الحجر ١٥:٥٢-٥٦.
[٨] أود:كلمة معناها التحزن.«لسان العرب-أوه-١٣:٤٧٢».