البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ١٢٠ - الفرقان آيه ٢٣
بِالْجِهَادِ،وَ الصَّلاَةِ [١] مَا بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ،وَ لِذَلِكَ الْعَمَلِ رَنِينٌ كَرَنِينِ الْإِبِلِ،عَلَيْهِ ضَوْءٌ كَضَوْءِ الشَّمْسِ.فَيَقُولُ الْمَلَكُ:
قِفُوا،أَنَا مَلَكُ الْحَسَدِ،وَ اضْرِبُوا بِهَذَا الْعَمَلِ وَجْهَ صَاحِبِهِ،وَ احْمِلُوهُ عَلَى عَاتِقِهِ،إِنَّهُ كَانَ يَحْسُدُ مَنْ يَتَعَلَّمُ أَوْ يَعْمَلُ لِلَّهِ بِطَاعَتِهِ،وَ إِذَا رَأَى لِأَحَدٍ فَضْلاً فِي الْعَمَلِ وَ الْعِبَادَةِ حَسَدَهُ وَ وَقَعَ فِيهِ،فَيَحْمِلُهُ عَلَى عَاتِقِهِ،وَ يَلْعَنُهُ عَمَلُهُ».
قَالَ:«وَ تَصْعَدُ الْحَفَظَةُ بِعَمَلِ الْعَبْدِ،مِنْ صَلاَةٍ،وَ زَكَاةٍ،وَ حَجٍّ،وَ عُمْرَةٍ،فَيَتَجَاوَزُونَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، فَيَقُولُ الْمَلَكُ:قِفُوا،أَنَا صَاحِبُ الرَّحْمَةِ،اضْرِبُوا بِهَذَا الْعَمَلِ وَجْهَ صَاحِبِهِ،وَ اطْمِسُوا عَيْنَيْهِ،لِأَنَّ صَاحِبَهُ لَمْ يَرْحَمْ شَيْئاً،وَ إِذَا أَصَابَ عَبْداً مِنْ عِبَادِ اللَّهِ ذَنْبٌ لِلْآخِرَةِ،أَوْ ضَرٌّ فِي الدُّنْيَا،شَمِتَ بِهِ،أَمَرَنِي رَبِّي أَنْ لاَ أَدَعَ عَمَلَهُ يَتَجَاوَزُنِي».
قَالَ:«فَتَصْعَدُ الْحَفَظَةُ بِعَمَلِ الْعَبْدِ،بِفِقْهٍ،وَ اجْتِهَادٍ،وَ وَ وَرَعٍ،وَ لَهُ صَوْتٌ كَصَوْتِ الرَّعْدِ،وَ ضَوْءٌ كَضَوْءِ الْبَرْقِ، وَ مَعَهُ ثَلاَثَةُ آلاَفِ مَلَكٍ،فَتَمُرُّ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ،فَيَقُولُ الْمَلَكُ:قِفُوا،وَ اضْرِبُوا بِهَذَا الْعَمَلِ وَجْهَ صَاحِبِهِ،أَنَا مَلَكُ الْحِجَابِ،أَحْجُبُ كُلَّ عَمَلٍ لَيْسَ لِلَّهِ،إِنَّهُ أَرَادَ رِفْعَةً عِنْدَ النَّاسِ [٢]،وَ ذِكْراً فِي الْمَجَالِسِ،وَ صِيتاً فِي الْمَدَائِنِ، أَمَرَنِي رَبِّي أَنْ لاَ أَدَعَ عَمَلَهُ يَتَجَاوَزُنِي إِلَى غَيْرِي مَا لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ خَالِصاً».
قَالَ:«وَ تَصْعَدُ الْحَفَظَةُ بِعَمَلِ الْعَبْدِ مُبْتَهِجاً بِهِ مِنْ صَلاَةٍ،وَ زَكَاةٍ،وَ صِيَامٍ،وَ حَجٍّ،وَ عُمْرَةٍ،وَ حُسْنِ خُلُقٍ، وَ صَمْتٍ،وَ ذِكْرٍ كَثِيرٍ،تُشَيِّعُهُ مَلاَئِكَةُ السَّمَاوَاتِ وَ الْمَلاَئِكَةُ السَّبْعَةُ بِجَمَاعَتِهِمْ،فَيَطْوُونَ [٣] الْحُجُبَ كُلَّهَا،حَتَّى يَقُومُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ،فَيَشْهَدُوا لَهُ بِعَمَلٍ صَالِحٍ وَ دُعَاءٍ،فَيَقُولُ:أَنْتُمْ حَفَظَةُ عَمَلِ عَبْدِي،وَ أَنَا رَقِيبٌ عَلَى مَا فِي نَفْسِهِ،إِنَّهُ لَمْ يُرِدْنِي بِهَذَا الْعَمَلِ،عَلَيْهِ لَعْنَتِي.فَتَقُولُ الْمَلاَئِكَةُ:عَلَيْهِ لَعْنَتُكَ،وَ لَعْنَتُنَا»قَالَ:ثُمَّ بَكَى مُعَاذٌ،فَقَالَ:
قُلْتُ:يَا رَسُولَ اللَّهِ،مَا أَعْمَلُ وَ أُخْلِصُ فِيهِ؟قَالَ:«اقْتَدِ بِنَبِيِّكَ-يَا مُعَاذُ-فِي الْيَقِينِ».قَالَ:قُلْتُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ،وَ أَنَا مُعَاذٌ! قَالَ:«وَ إِنْ كَانَ فِي عَمَلِكَ تَقْصِيرٌ-يَا مُعَاذُ-فَاقْطَعْ لِسَانَكَ عَنْ إِخْوَانِكَ،وَ عَنْ حَمَلَةِ الْقُرْآنِ،وَ لْتَكُنْ ذُنُوبُكَ عَلَيْكَ،لاَ تُحَمِّلْهَا عَلَى إِخْوَانِكَ،وَ لاَ تُزَكِّ نَفْسَكَ بِتَذْمِيمِ إِخْوَانِكَ،وَ لاَ تَرْفَعْ نَفْسَكَ بِوَضْعِ إِخْوَانَكَ،وَ لاَ تُرَاءِ بِعَمَلِكَ،وَ لاَ تُدْخِلْ مِنَ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ،وَ لاَ تَفْحَشْ فِي مَجْلِسِكَ لِكَيْ يَحْذَرُوكَ لِسُوءِ خَلْقِكَ،وَ لاَ تُنَاجِ مَعَ رَجُلٍ وَ أَنْتَ مَعَ آخَرَ،وَ لاَ تَتَعَظَّمْ عَلَى النَّاسِ فَتَنْقَطِعَ عَنْكَ خَيْرَاتُ الدُّنْيَا،وَ لاَ تُمَزِّقِ النَّاسَ فَتُمَزِّقَكَ كِلاَبُ أَهْلِ النَّارِ،قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَ النّٰاشِطٰاتِ نَشْطاً [٤]أَ فَتَدْرِي مَا النَّاشِطَاتُ؟هِيَ كِلاَبُ أَهْلِ النَّارِ،تَنْشَطُ اللَّحْمَ وَ الْعَظْمَ».
قُلْتُ:وَ مَنْ يُطِيقُ هَذِهِ الْخِصَالَ؟قَالَ:«يَا مُعَاذُ،أَمَا إِنَّهُ يَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ».
قَالَ:وَ مَا رَأَيْتُ مُعَاذاً يُكْثِرُ تِلاَوَةَ الْقُرْآنِ،كَمَا يُكْثِرُ تِلاَوَةَ هَذَا الْحَدِيثِ.
[١] في المصدر زيادة:و الصدقة.
[٢] في المصدر:القوّاد.
[٣] في المصدر:فيطئون.
[٤] النازعات ٧٩:٢.