البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٥٤٩ - فاطر آيه ٣٥-٣٢
الْمَأْمُونُ:أَخْبِرُونِي عَنْ مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتٰابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنٰا مِنْ عِبٰادِنٰا ،فَقَالَتِ الْعُلَمَاءُ:أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِذَلِكَ الْأُمَّةَ كُلَّهَا.
فَقَالَ الْمَأْمُونُ:مَا تَقُولُ،يَا أَبَا الْحَسَنِ؟فَقَالَ الرِّضَا(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):«لاَ أَقُولُ كَمَا قَالُوا،وَ لَكِنْ أَقُولُ:أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِذَلِكَ الْعِتْرَةَ الطَّاهِرَةَ».فَقَالَ الْمَأْمُونُ:وَ كَيْفَ عَنَى الْعِتْرَةَ مِنَ دُونِ الْأُمَّةِ؟فَقَالَ لَهُ الرِّضَا(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):«لَوْ أَرَادَ الْأُمَّةَ لَكَانَتْ بِأَجْمَعِهَا فِي الْجَنَّةِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى: فَمِنْهُمْ ظٰالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سٰابِقٌ بِالْخَيْرٰاتِ بِإِذْنِ اللّٰهِ ذٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ،ثُمَّ جَمَعَهُمْ كُلَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ،فَقَالَ عَزَّ وَ جَلَّ: جَنّٰاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهٰا يُحَلَّوْنَ فِيهٰا مِنْ أَسٰاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ ،فَصَارَتِ الْوِرَاثَةُ لِلْعِتْرَةِ الطَّاهِرَةِ لاَ لِغَيْرِهِمْ».
فَقَالَ الْمَأْمُونُ:مَنِ الْعِتْرَةُ الطَّاهِرَةُ؟فَقَالَ الرِّضَا(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):«الَّذِينَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ،فَقَالَ عَزَّ وَ جَلَّ: إِنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [١]،وَ هُمُ الَّذِينَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):إِنِّي مُخَلِّفٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ:كِتَابَ اللَّهِ،وَ عِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي،أَلاَ وَ إِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ،فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِّي فِيهِمَا.أَيُّهَا النَّاسُ،لاَ تُعَلِّمُوهُمْ،فَإِنَّهُمْ أَعْلَمُ مِنْكُمْ».
قَالَتِ الْعُلَمَاءُ:أَخْبِرْنَا-يَا أَبَا الْحَسَنِ-عَنِ الْعِتْرَةِ:هُمُ الْآلُ،أَمْ غَيْرُ الْآلِ؟فَقَالَ الرِّضَا(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):«هُمُ الْآلُ».
قَالَتِ الْعُلَمَاءُ:وَ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)يُؤْثَرُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ:«أُمَّتِي آلِي»وَ هَؤُلاَءِ أَصْحَابُهُ يَقُولُونَ بِالْخَبَرِ الْمُسْتَفَاضِ الَّذِي لاَ يُمْكِنُ دَفْعُهُ:اَلْآلُ أُمَّتُهُ.
فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):«أَخْبِرُونِي:هَلْ تَحْرُمُ الصَّدَقَةُ عَلَى الْآلِ؟».قَالُوا:نَعَمْ.قَالَ:«فَتَحْرُمُ عَلَى الْأُمَّةِ؟» قَالُوا:لاَ.قَالَ:«هَذَا فَرْقٌ بَيْنَ الْآلِ وَ الْأُمَّةِ.وَيْحَكُمْ،أَيْنَ يُذْهَبُ بِكُمْ،أَ ضَرَبْتُمْ عَنِ الذِّكْرِ صَفْحاً،أَمْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ، أَ مَا عَلِمْتُمْ أَنَّهُ وَقَعَتِ الْوِرَاثَةُ وَ الطَّهَارَةُ [٢] عَلَى الْمُصْطَفَيْنَ الْمُهْتَدِينَ دُونَ سَائِرِهِمْ؟!»قَالُوا:مِنْ أَيْنَ،يَا أَبَا الْحَسَنِ؟ قَالَ:«مِنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ: وَ لَقَدْ أَرْسَلْنٰا نُوحاً وَ إِبْرٰاهِيمَ وَ جَعَلْنٰا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَ الْكِتٰابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فٰاسِقُونَ [٣]،فَصَارَتْ وِرَاثَةُ[النُّبُوَّةِ وَ]الْكِتَابِ لِلْمُهْتَدِينَ دُونَ الْفَاسِقِينَ،أَ مَا عَلِمْتُمْ أَنَّ نُوحاً(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)حِينَ سَأَلَ رَبَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ،فَقَالَ: إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَ إِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَ أَنْتَ أَحْكَمُ الْحٰاكِمِينَ [٤]وَ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَعَدَهُ أَنْ يُنْجِيَهُ وَ أَهْلَهُ،فَقَالَ لَهُ: يٰا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صٰالِحٍ فَلاٰ تَسْئَلْنِ مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجٰاهِلِينَ [٥]؟».
و الحديث طويل أخذنا ذلك منه،و ربما ذكرنا منه في هذا الكتاب في مواضع تليق به [٦].
[١] الأحزاب ٣٣:٣٣.
[٢] في«ط»:وقف الوراثة الظاهرة.
[٣] الحديد ٢٦/٥٧.
[٤] [٥] هود ١١:٤٥،٤٦.
[٦] تقدّم في الحديث(٧)من تفسير الآية(٣٣)من سورة الأحزاب،و يأتي أيضا في الحديث(١)من تفسير الآية(٢٦)من سورة الحديد.