نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٤٠٠ - الفصل العاشر فيما وقع من وفود العرب عليه
فذكر أنهم قالوا: «اللهم نعم»، فقال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «اللهم اشهد» [١].
* و في حجة الوداع نزلت عليه في يوم الجمعة بعد العصر في يوم عرفة و هو (صلّى اللّه عليه و سلّم) واقف بعرفات على ناقته العضباء: الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَ اخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ (يعنى الفرائض و السنن و الحدود و الأحكام) وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [المائدة: ٣] فلم ينزل بعد هذه الآية شيء: لا حلال و لا حرام، و لا شيء من الفرائض و السنن و الحدود و الأحكام.
و قيل: إكمال الدين بهذه الآية: أنه لا يزول، و لا ينسخ، و أن شريعتهم باقية إلى يوم القيامة، و معنى إتمام النعمة: يعنى إكمال الدين و الشريعة؛ لأنه لا نعمة أتم من نعمة الإسلام. و عن طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب، قال: يا أمير المؤمنين، آية في كتاب الله تقرءونها لو نزلت علينا لاتخذنا ذلك اليوم عيدا، قال: فأى آية؟ قال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فقال عمر: «إنى لأعلم اليوم الّذي نزلت فيه، و المكان الّذي نزلت على رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فيه؛ نزلت بعرفات يوم الجمعة» [٢] أشار عمر إلى أن ذلك اليوم كان عيدا لنا. و عن ابن عباس: أنه قرأ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً و عنده يهودي، فقال: لو نزلت هذه الآية علينا لاتخذنا يومها عيدا، فقال ابن عباس: كان في ذلك اليوم خمسة أعياد: يوم جمعة، و يوم عرفة، و عيد لليهود، و عيد للنصارى، و عيد المجوس، و لم تجمع أعياد لأهل الملل في يوم واحد قبله و لا بعده.
و روى أنه لما نزلت هذه الآية بكى عمر، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): ما يبكيك يا عمر؟
فقال: أبكانى أنّا كنا في زيادة من ديننا، فأما إذا أكمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص، قال: «صدقت» [٣]، فكانت هذه الآية نعت رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و عاش بعدها أحدا و ثمانين يوما [٤].
[١] أى اشهد أنى بلّغت الرسالة.
[٢] رواه البخاري، و مسلم و الترمذي، و النسائي، و الإمام أحمد، و ابن مردويه.
[٣] رواهما ابن جرير الطبري.
[٤] رواهما ابن جرير الطبري.