نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٤٠١ - الفصل العاشر فيما وقع من وفود العرب عليه
و لما رجع (صلّى اللّه عليه و سلّم) من حجته إلى المدينة أقام بقباء ذا الحجة تمام سنة عشر من الهجرة، ثم دخلت سنة إحدى عشر، فأقام بها أيضا المحرّم و صفر، و في يوم الأربعاء اخر صفر بدأ بالنبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) وجعه، فحمّ و صدع، و أشار فيه إشارة ظاهرة بخلافة أبى بكر، بثنائه عليه على المنبر، لمّا فهم دون بقية الصحابة قوله في خطبته: «إنّ عبدا خيّره الله بين أن يؤتيه زهرة الدنيا و بين ما عنده، فاختار ما عنده، أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يعنى نفسه، فبكى و قال: فديناك يا رسول الله بآبائنا و أمهاتنا فقابله (صلّى اللّه عليه و سلّم) بقوله: «إنّ أمنّ الناس عليّ في صحبته و ماله أبو بكر، و لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، و لكن أخوّة الإسلام» ثم قال: لا يبقى في المسجد خوخة إلا سدّت، إلا خوخة أبى بكر [١]. زاد مسلم: «إن ذلك كان قبل موته بخمس ليال» ثم أكّد أمر الخلافة بأمره صريحا أن يصلّى بالناس [٢].
و لم يحج (صلّى اللّه عليه و سلّم) بعد أن فرض الحج إلا حجة الوداع، و كانت وقفته فيها الجمعة، و حجّ معه ألوف، حتى حج معه من لم يره قبلها و لا بعدها، و لم يحج بعد الهجرة غيرها، و أما بعد النبوة و قبل الهجرة، فحج ثلاث حجات، و قيل حجتين، و قيل كان يحج كل سنة قبل أن يهاجر، و اعتمر بعد أن هاجر أربع عمر: عمرة الحديبية، و عمرة القضية، و يقال لها عمرة القضاء، و عمرة القصاص، و عمرة الجعرانة بكسر الجيم و سكون العين في إثر وقعة حنين، و عمرة مع حجته و لم يعدّ مالك بن أنس في الموطأ الرابعة عمرة، و قال: إنما اعتمر ثلاثا فقط؛ لأنه إنما
[١] رواه مسلم و الترمذي.
[٢] فى مسند الإمام أحمد عن الإمام على كرم الله وجهه قال: «يا رسول الله من نؤمّر بعدك؟ قال:
إن تؤمّروا أبا بكر تجدوه أمينا زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة، و إن تؤمّروا عمر تجدوه قويا أمينا لا يخاف في اللّه لومة لائم، و إن تؤمروا عليا- و ما أراكم فاعلين- تجدوه هاديا مهديا، يأخذ بكم الطريق المستقيم».
و روى مسلم و الإمام أحمد أنه قال أيضا: «ادعى أباك و أخاك حتّى أكتب كتابا؛ فإني أخاف أن يتمنى متمن و يقول قائل: أنا أولي، و يأبى الله و المؤمنون إلا أبا بكر» و هى تولية صريحة.
و الحديث صحيح.