نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣٩٨ - الفصل العاشر فيما وقع من وفود العرب عليه
أيها الناس إنّ دمائكم و أموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا و حرمة شهركم هذا، و ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم. و قد بلّغت؛ فمن كان عنده أمانة فليؤدّها إلى من ائتمنه عليها، و إن كان ربا فهو موضوع، و لكم رءوس أموالكم لا تظلمون و لا تظلمون قضى الله ألا ربا؛ إنّ ربا العباس بن عبد المطلب موضوع كله، و إنّ كلّ دم في الجاهلية موضوع كله، و إنّ أوّل دم أضع دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب (و كان مسترضعا في بنى سعد فقتله بنو هذيل). أيها الناس إن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبدا، و لكنه رضى أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقّرون من أعمالكم، فاحذروه على دينكم، إنما النسيء زيادة في الكفر يضلّ به الذين كفروا، يحلونه عاما و يحرّمونه عاما ليواطئوا عدّة ما حرّم الله فيحلّوا ما حرّم الله، ألا و إنّ الزمان استدار كهيئته يوم خلق الله السموات و الأرض، و إنّ عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب اللّه، يوم خلق الله السموات و الأرض، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة، و ذو الحجة، و المحرم، و رجب الفرد الّذي بين جمادى و شعبان» [١].
[و معنى الحديث: أن الأشهر رجعت إلى ما كانت عليه، و عاد الحج في ذى الحجة، و بطل النسيء الّذي كان في الجاهلية، و قد وافقت حجة الوداع ذا الحجة، و كانت حجة أبى بكر رضى الله عنه قبلها في ذى القعدة، و النسىء: التأخير لحرمة شهر إلى اخر كما كانت الجاهلية تفعل؛ كانوا إذا جاء شهر حرام و هم محاربون أحلّوه و حرّموا مكانه شهرا اخر، و رفضوا خصوص الشهر، و اعتبروا مجرد العدد، فكانوا يؤخرون تحريم المحرّم إلى صفر، فيحرّمون صفر و يستحلون المحرم، فإذا احتاجوا إلى تأخير تحريم صفر أخّروه إلى ربيع، و هكذا شهرا بعد شهر، حتى استدار التحريم على السنة كلها، و كانوا يحجون في كل شهر عامين، فحجوا في ذى القعدة عامين، ثم حجوا في المحرم عامين، ثم حجوا في صفر
[١] رواه الإمام أحمد، و رواه البخارى في التفسير، و مسلم و ابن جرير الطبرى و سعيد بن منصور، و له ألفاظ و طرق مختلفة بمعنى واحد.