نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٤٦٩ - الفصل الرابع فى ذكر أزواجه
و أما سراريه (عليه الصلاة و السلام) فأربع: مارية القبطية، و ريحانة بنت شمعون النسطورية، و جميلة أصابها في السبي، و جارية وهبتها له زينب بنت جحش.
فهؤلاء زوجاته (صلّى اللّه عليه و سلّم) و سراريه، و هنّ أمهات المؤمنين، و كلهن فاضلات طيبات طاهرات، و كما فضّل الله تعالى أصحابه علي سائر الأصحاب و رفع بعضهم فوق بعض درجات، كذلك فضّل زوجاته علي سائر الزوجات، و رفعهن فوق بعض درجات، لقوله تعالى: يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ (٣٣) [الأحزاب:
٣٢]، فكما أن أفضل الصحابة أبو بكر الصديق (رضي الله عنه)، كذلك أفضل أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بعد خديجة عائشة بنت الصديق (رضي الله تعالى عنهما)، فكيف لا و هى التى نزلت براءتها في سورة النور!. و قال (صلّى اللّه عليه و سلّم): «أحبّ النساء إليّ عائشة، و من الرجال أبوها»، و قال (صلّى اللّه عليه و سلّم): فضل الثريد علي الطعام كفضل عائشة علي النساء» [١] ضرب المثل بالثريد لأنه أفضل طعامهم، و لأنه ركب من خبز و لحم و مرقة، و لا نظير له في الأطعمة، ثم أنه جامع بين الغذاء و اللذة و القوة و سهولة التناول و قلة المئونة في المضغ، و سرعة المرور في الحلقوم.
و الصواب أن الحاجة للخبز أعمّ، و اللحم أفضل، و هو أشبه بجوهر البدن من كل ما عداه، و خصّ رسول الله المثل بالثريد إيذانا بأن عائشة جمعت مع حسن الخلق و حسن الحديث، و حلاوة المنطق، و فصاحة اللهجة، و جودة القريحة، و رزانة الرأى و رصانة العقل التحبّب إلى البعل، و من ثم عقلت منه ما لم يعقل غيرها من نسائه، و روت عنه ما لم يرو مثلها من الرجال و النساء، و قد خصّت علي نساء النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بعشر خصال؛ فيما روى عروة بن الزبير (رضي الله تعالى عنهما)، قال: «سمعت خالتى عائشة رضى الله تعالى عنها تقول: خصصت على نساء النبي بعشر خصال: تزوّجنى بكرا و لم يتزوج بكرا غيري، و أسلم أبي و جدى و أمى و أم أبى و إخوتى و أخواتي، و أنا حبيبته من النساء، و أبى وزيره و حبيبه من الرجال، و مات في صدري، و قبض في يومي، و دفن في حجرتى، و أمرنى بالمقام عنده كيلا أفارقه، فأنسى به ميّتا كأنسى به حيّا، و في كل يوم
[١] و المعروف من الحديث: «فضل عائشة على النساء، كفضل تهامة علي سائر الأرض، و فضل الثريد على سائر الطعام» رواه أبو نعيم في فضائل الصحابة.