نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٤٧١ - الفصل الرابع فى ذكر أزواجه
العلماء، و أحكم الحكماء، و أفصح الفصحاء رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و أبوها علّامة قريش، المفتى في حضرة النبي، و «الولد سر أبيه».
و أما فصاحتها فيما رواه علي بن أبى طالب كرّم الله وجهه أنه قال: دخلت على عائشة رضى الله عنها بعض الأيام، فرأيتها جالسة و عليها قميص مرقّع، فحمدت الله تعالى بما هو أهله، و ثنّت بالصلاة على نبيه، و ذكر بعض ما وهبه اللّه تعالى من فضله، و أثنت على أبى بكر و عمر و عثمان بما كان فيهم من العدل و الإحسان، ثم حضّت بالاقتداء بهم و اتّباع أمرهم، فو الله ما سمعت أذنى من سائر النساء أفصح منها و أنظم من كلامها و لا أرشد من رأيها، فقلت لها:
أنت و الله أمّ المؤمنين حقّا، و العالمة بالله و رسوله، الناصحة المشفقة الواعظة المبلّغة، دللت الناس علي الحق، و أمرتهم باتباعه، و نهيتهم عن حظ أنفسهم، و أنت أهل أن يسمع قولك، و يطاع أمرك، و يقبل نصحك. ثم قمت و خرجت واضعا يدى على كتف ذكوان، و قلت: و الله يا ذكوان، ما سمعت أذنى خطيبا من أكثر الصحابة أفصح من عائشة، و لا أبلغ من موعظتها، فلو كانت إمرة لامرأة بعد النبوّة، لاستحقت عائشة الخلافة» [١].
روى عن الأحنف بن قيس أنه قال: سمعت كلام أبى بكر حتّى مضي، و كلام عمر بن الخطاب رضى الله عنه حتّى مضي، و كلام عثمان بن عفان- رضى الله عنه- حتى مضي، و كلام علي بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه حتى مضي، و لا و الله- ما سمعت فيهم أبلغ من عائشة رضى الله عنها.
و أما شفقتها و رحمتها لعصاة هذه الأمة، فمما ورد من ذلك ما رواه عروة بن الزبير رضى الله تعالى عنه: لما نزل قوله تعالى النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ أَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ [الأحزاب: ٦] قالت عائشة رضى الله تعالى عنها: يا رسول الله و أنا أم المؤمنين؟ فقال: أنت أفضل أمهات المؤمنين، فقالت: و الّذي بعثك بالحق رسولا؛ إن أمهلنى ربى يوم القيامة لا دخلت الجنة حتّى يدخل معى
[١] هذا هو علي بن أبى طالب يصف أم المؤمنين بهذا الوصف، فما ذا يقول الشيعة؟!!