نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣٦٠ - الفصل الثامن في ظواهر السنة الثامنة و ما فيها من الغزوات
خالتها، و البيّنة على المدعى و اليمين على من أنكر، و لا تسافر امرأة مسيرة ثلاثة ليال إلا مع ذى محرم، و لا صلاة بعد العصر و بعد الصبح، (أى من النوافل)، و لا يصام يوم الأضحى و لا يوم الفطر.
ثم قال: يا معشر قريش إنّ الله أذهب عنكم نخوة الجاهلية و تعاظمها بالآباء، الناس من آدم، و آدم من تراب ثم تلا هذه الآية: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا الآية، ثم قال: يا معشر قريش، فاجتمع به المشركون في المسجد الحرام ايسين من أرزاقهم، فجاء رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتّى دخل المسجد الحرام، و أحاط جيشه بالمسجد، و دخل معه خواصه، و فتح له باب الكعبة حتّى دخل و صلّى بها، و أقام الخواص حول رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أيديهم على مقابض سيوفهم، و هم ينتظرون أمره بوضع السيف في أعدائهم، فخرج رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و قام على عتبة الباب، و أقبلت قريش و هم منكسو رءوسهم خوفا و حزنا، فقال: «يا أهل مكة بئس العشير كنتم لنبيكم، كذّبتمونى و صدّقنى الناس، و أخرجتمونى و آوانى الناس، و قاتلتمونى و نصرنى الناس، و الآن قد أظهرنى الله عليكم كما ترون، فما ترونى فاعلا بكم؟ فقام سهيل بن عمرو- و هو كان من رؤساء قريش- و قال: يا محمد أنت أخ كريم و ابن أخ كريم، و قد قدرت؛ إن عذّبتنا فبجرم عظيم، و إن عفوت عنا فبحلم قديم.
فتبسم رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) في وجوههم، و قال: «بل أقول مثل ما قال أخي يوسف (عليه السلام): «لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم» اذهبوا فأنتم الطلقاء» [١] فأعتقهم (صلّى اللّه عليه و سلّم) جميعا و لم يسب ذراريهم، و كان الله قد أمكنه منهم، فكانوا له فيئا، فبذلك سمى أهل مكة الطلقاء، أى الذين أطلقوا فلم يسترقوا، و لم يؤسروا، و الطليق هو الأسير إذا أطلق.
و روى أن عائشة رضى الله عنها نذرت إن فتح الله مكة على رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) تصلّى في البيت ركعتين، فلما فتحت مكة و حجّ رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) حجة الوداع سألت النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن يفتح لها باب الكعبة ليلا لتوفى
[١] لما كان فتح مكة و رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) بمكة أرسل إلى صفوان بن أمية، و إلى أبى سفيان بن حرب، و إلى الحارث بن هشام، قال عمر بن الخطاب: فقلت: «قد أمكن الله منهم لأعرفهم بما صنعوا» حتى قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «مثلى و مثلكم كما قال يوسف لإخوته: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ، الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَ هُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ قال عمر: فانفضحت حياء من رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) كراهية أن يكون بدر منى، و قد قال لهم رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) ما قال». (و الحديث أخرجه ابن عساكر).