نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣٥٦ - الفصل الثامن في ظواهر السنة الثامنة و ما فيها من الغزوات
قبل وجهه، فقال (صلّى اللّه عليه و سلّم): «لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم و هو أرحم الراحمين» و قبل منهما إسلامهما، فأنشده أبو سفيان معتذرا إليه بأبيات، فضرب رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) على صدره و قال: «أنت طردتنى كلّ مطّرد». و كان أبو سفيان بعد ذلك ممن حسن إسلامه؛ فقيل: إنه ما رفع رأسه إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) منذ أسلم حياء منه، و كان (صلّى اللّه عليه و سلّم) يحبه و يشهد له بالجنة، و يقول: أرجو أن يكون خلفا من حمزة [١]، و قال (صلّى اللّه عليه و سلّم) لأبى سفيان بن الحارث حين جاء مسلما بعد أن كان عدوا له كثير الهجاء:
«كلّ الصيد في جوف الفرا [٢]» (و هو بفتح الفاء حمار الوحش، و المعنى أن حمار الوحش من أعظم ما يصاد، و كل صيد دونه، كما أنك من أعظم أهلى و أمسّهم رحما بى، و من أكرم من يأتينى و كلّ دونك) و كان أبو سفيان يشبه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) من جملة من يشبهونه، و هم ستة، و الباقى: جعفر بن أبى طالب، و الحسن بن على، و قثم بن العباس، و السائب بن عبيد بن عبد الله بن نوفل بن هشام بن عبد المطلب بن عبد مناف، و عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب.
ثم أمر (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن تركز راية سعد بن عباد بالحجون [٣] لما بلغه أنه قال: «اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحلّ الكعبة» فقال: «كذب سعد، و لكن هذا يوم يعظّم الله فيه الكعبة، و يوم تكسى فيه الكعبة»، فمن هنا يعلم أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كما سعى في العمار الحسى سابقا، سعى في العمار المعنوى لاحقا. و نعم ما قال سادة الأوّل: أوّل الفكر اخر العمل، فالساعى في التعمير يستحيل أن يكون سببا في التدمير، لا سيما البشير النذير، أو ليس أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان في بناء قريش للكعبة يشتغل في بنائها بنفسه معهم،
[١] و كان (عليه الصلاة و السلام) يقول فيه: «أبو سفيان بن الحارث خير أهلى» رواه الطبراني و الحاكم عن أبى حبة البدرى. و روى الحاكم و ابن سعد عن عروة مرسلا قوله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «أبو سفيان ابن الحارث سيد فتيان أهل الجنة».
[٢] رواه الرامهرمزى في الأمثال عن نصر بن عاصم الليثى قال: «أذن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) لقريش و أخّر أبا سفيان، ثم أذن له، فقال- أى أبو سفيان-: ما كدت تأذن لى حتّى كانت تأذن لحجارة الجلهمتين (بضم الجيم و سكون اللام و بضم الهاء: اسم مكان) قبلى؟ قال: و ما أنت و ذاك يا أبا سفيان، إنما أنت كما قال الأوّل: «كلّ الصيد في جوف الفرا». و رواه العسكرى أيضا قريبا من هذا اللفظ، و الله تعالى أعلم.
[٣] مكان بأعلى مكة عند مقبرتها. و قال الأصمعى: الحجون هو الجبل المشرف الّذي بحذاء مسجد البيعة على شعب الجزارين- قاله ياقوت الحموى-.