نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣٣٢ - الفصل السابع في ظواهر السنة السابعة ما فيها من الغزوات
بعث محيصة بن مسعود الحارثى إلى فدك، يدعو أهلها إلى الإسلام، فدعاهم إليه، فخوّفهم أنّ رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) جاء إلى حربهم كما أتى إلى حرب أهل خيبر، و قالوا: «إن عامرا و ياسرا و حارثا و سيد اليهود مرحبا في حصن نطاه معهم ألف مقاتل، و ما نظن أن يقاومهم محمد»، فمكث محيصة فيهم يومين، و لما رأى إلا ميل لهم في الصلح، أراد أن يرجع، فقالوا له: اصبر نستشير أكابر قومنا و نبعث معك من يصالح محمدا، و بينما هم في ذلك الرأى إذ أتاهم خبر حصن «الناعم» أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فتحه، فوقع في قلوبهم خوف عظيم، فأرسلوا جماعة من يهود فدك إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتّى يصالحوه، فبعد القيل و القال الكثير، استقر الأمر على أن يعطوا النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) نصف أرض فدك، و لهم نصفها، فرضى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فصالحهم على ذلك. و كانوا يعملون على ذلك حتّى أخرجهم عمر و أهل خيبر إلى الشام، و اشترى منهم حصّتهم «النصف» بمال بيت المال، كما سيأتى فكان خيبر للمسلمين، و فدك خالصة له؛ لأنها فتحت بغير إيجاف (أى تحريك و إتعاب في السير) و لا ركاب فلم يقسمها و وضعها حيث أمره الله، و انصرف (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن خيبر إلى وادى القرى فحاصرها و افتتحها عنوة، و قسمها.
و أصاب بها غلامه مدعما» سهم غرب (بفتح الراء و الإضافة، و بتسكين الراء بلا إضافة: و هو الّذي لا يعرف راميه) فقتله. و قال (صلّى اللّه عليه و سلّم) فيه لما شهد له أناس بالجنة: «كلا إن الشملة التى أخذها يوم خيبر من المغانم قبل القسم لتشتعل عليه نارا»، فلما سمع ذلك الناس جاء رجل بشراك أو شراكين إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال (صلّى اللّه عليه و سلّم): «شراك من نار أو شراكان من نار».
و عن أبى حميد الساعدى، قال: استعمل رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) رجلا من أسد على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم، و هذا أهدى لى، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): فهلا جلس فى بيت أمه أو في بيت أبيه فينظر أ يهدى إليه أم لا، فو الّذي نفسى بيده لا يأخذ منها أحد شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيرا له رغاء، أو بقرة لها خوار، و إن كان شاة جاء بها تيعر (بفتح المثناة الفوقية و سكون المثناة التحتية بعدها مهملة مفتوحة، و يجوز كسرها) أى لها صوت شديد- ثم رفع يديه حتّى رؤيت صفرة إبطيه، ثم قال: «اللهم هل بلّغت، اللهم هل بلغت».
و روى أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أمر فروة بن عمرو البياضى أن يجمع غنائم خيبر في