نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣١٣ - الفصل السادس في ظواهر السنة السادسة و ما فيها من الغزوات
و لما علمت قريش بهذه البيعة خافوا، و أشار أهل الرأي بالصلح على أن يرجع و يعود من قابل فيقيم ثلاثا معه سلاح الراكب- السيوف في القرب [١] و القوس- فبعثوا سهيل بن عمرو ثانيا و معه مكرز بن حفص و حويطب بن عبد العزّى إلي رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) ليصالحه، على أن يرجع في عامه هذا؛ لئلا تتحدث العرب بأنه دخل عنوة، و أنه يعود من قابل، فلما انتهى سهيل بن عمرو إلي رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) جثا علي ركبتيه بين يديه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و المسلمون حوله، و تكلّم فأطال، ثم تراجعا [٢]، و من جملة ذلك أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال له: تخلّوا بيننا و بين البيت فنطوف، فقال: له سهيل: «و الله لا تتحدث بنا أننا أخذنا ضغطة (بالضم أي بالشدة و الإكراه) و لكن ذلك من العام القابل». ثم التأم الأمر بينهما علي الصلح علي ترك القتال، إلى اخر ما يأتي، و لم يبق إلا الكتاب بذلك، و عند ذلك وثب عمر حتّى أتي أبا بكر فقال: أ ليس رسول الله؟ قال: بلى قال: ألسنا بالمسلمين و هم بالمشركين؟ قال:
بلي، قال: فعلام نعطى الدنيّة (بفتح الدال و كسر النون و تشديد الياء: النقيصة و الخصلة المذمومة) في ديننا؟ قال: يا عمر، الزم فأنا أشهد أنه رسول الله، قال:
و أنا، ثم أتى رسول الله فقال له ذلك، فقال: أنا عبد الله و رسوله لن أخاف أمره، و لن يضيّعني. فأجاب النبي إلى ذلك، فقال سهيل: هات اكتب بيننا و بينكم كتاب صلح، فدعا النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) الكاتب، فقال له: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل: لا أعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة، اكتب باسمك اللهم، فقال المسلمون: لا تكتب إلا بسم الله الرحمن الرحيم، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): اكتب باسمك اللهم، فكتب، ثم قال: «اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله»، فقال سهيل:
لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، و لا قاتلناك، و لكن اكتب اسمك و اسم أبيك محمد بن عبد الله، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): «إنى لرسول الله، و إن كذّبتموني، و أنا محمد بن عبد الله، اكتب محمد بن عبد الله».
و في رواية: كان الكاتب علي بن أبي طالب، و كان قد كتب محمد رسول الله، فقال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) لعليّ: امح رسول الله و اكتب مكانه محمد بن عبد الله،
[١] القرب: جمع قراب و هو السيف في غمده.
[٢] هو و رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): أي راجع بعضهم بعضا في الكلام.