نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣٠٩ - الفصل السادس في ظواهر السنة السادسة و ما فيها من الغزوات
و منعوه من أخذ صدقتهم، فأكثر المسلمون في ذكر غزوهم، حتى همّ رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) بأن يغفروهم، فبينما هم علي ذلك إذ قدم وفدهم علي رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقالوا:
يا رسول الله، سمعنا برسولك حين بعثه إلينا، فخرجنا إليه لنكرمه و نؤدّي إليه ما قبلنا من الصدقة، فانشمر راجعا، فبلغنا أنه زعم لرسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنّا خرجنا إليه لنقتله، و الله ما جئنا لذلك، فأنزل الله فيه و فيهم: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (٦) وَ اعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ [الحجرات: ٦] إلي اخر الآية. و كان شعار المسلمين: يا منصور أمت.
* و في هذه السنة كسفت الشمس.
و أما ما قيل من أنّ آية التيمم نزلت في غزاة بني المصطلق، فقد قال النووى في الروضة: ان آية التيمم نزلت في سنة أربع.
* و في هذه السنة كانت غزوة الحديبية:
و تخفف و تشدّد، و هى بئر قريب من مكة، بينها و بين المدينة تسع مراحل، سمي المكان باسمها، و قيل شجرة، و قيل قرية بقرب مكة علي سبعة أميال من مكة.
و سبب هذه الغزوة أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) رأى في المنام بالمدينة قبل أن يخرج إلى الحديبية أنه دخل هو و أصحابه المسجد الحرام، و أخذ مفتاح الكعبة بيده و طافوا و اعتمروا و حلق بعضهم، و قصّر بعضهم، فأخبر بذلك أصحابه ففرحوا و حسبوا أنهم داخلو مكة عامهم ذلك، فأخبر أصحابه أنه معتمر، فخرج من المدينة في ذى القعدة سنة ست لا يريد حربا بالمهاجرين و الأنصار في ألف و أربعمائة، ليأمن أهل مكة و من حولهم من حربه، و ساق الهدي و أحرم بالعمرة من ذى الحليفة و لبّي، فاقتدى به جمهور أصحابه، و استعمل (صلّى اللّه عليه و سلّم) علي المدينة الشريفة ابن أم مكتوم، و قيل أبا رهم كلثوم بن الحصين، و قيل استخلف أبا رهم مع ابن أم مكتوم جميعا، فكان ابن أم مكتوم علي الصلاة، و كان أبو رهم حافظا للمدينة. و سار حتّى وصل إلى ثنية المرار [١] مهبط الحديبية من أسفل مكة، و أمر
[١] ثنية المرار (بضم الميم) كذا في المراصد.