نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢٩٩ - الفصل الخامس فى ظواهر السنة الخامسة و ما فيها من الغزوات
علي قبرها، و ذلك بعد شهر، و قال له سعد: يا رسول الله أتصدّق عنها؟ قال:
نعم، قال: أي الصدقة أفضل؟ قال: الماء. فحفر بئرا، و قال: هذه لأم سعد رضى الله عنها [١].
* و في هذه السنة غزوة بنى لحيان بن هذيل بن مدركه:
(بكسر اللام و فتحها) قبيلة من هذيل، لما وقعت وقعة عاصم بن ثابت و خبيب بن عدى و غيرهما من الصحابة الذين قتلتهم هذيل، وجد [٢] النبي وجدا شديدا على أصحابه المقتولين بالرجيع، و أراد أن ينتقم منهم، فأمر أصحابه بالتهيؤ، و خرج رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) في جمادى الأولى من السنة الخامسة لستة أشهر من فتح بني قريظة، فقصد بنى لحيان يطالب بثأر عاصم بن ثابت و خبيب بن غدى (أهل الرجيع [٣])، و ذلك إثر رجوعه من «دومة الجندل»، فسلك علي طريق الشام أولا ليصيب من القوم غرّة، و عسكر في مائتى رجل، و معهم عشرون فرسا، ثم أخذ ذات اليسار إلي صخيرات [٤] اليمام ثم رجع إلي طريق مكة و أجدّ السير حتّى نزل غران [٥] (بضم المعجمة و فتح الراء و هي منازل بنى لحيان، و هو واد بين امج [٦] و عسفان، و بينه و بين عسفان خمسة أميال) حيث كان مصاب أصحاب الرجيع، و استغفر لهم، و أقام هناك يوما أو يومين يبعث السرايا في كل ناحية، فوجد بنى لحيان قد حذروا و تمنّعوا في رءوس الجبال،
[١] و روى سعد بن عبادة أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «أفضل الصدقة سقى الماء» رواه الإمام أحمد، و أبو داود، و النسائي، و ابن حبان، و الحاكم.
و في هذا رد علي الذين يتعللون بإنكار نفع الصدقة بعد الوفاة، و ليتقوا الله، و ليحافظوا ألسنتهم.
[٢] وجد: أي حزن.
[٣] رجيع (بفتح أوله، و بالعين المهملة) علي فعيل، هو الموضع الذي غدرت عضل و القارة بالسبعة نفر الذين بعثهم رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، منهم عاصم بن ثابت «الّذي حمته الدّبر» و هو ماء لهذيل قرب الهدّة، (بين مكة و الطائف) و قد خفّف بعضهم داله. و الرجيع: و الله قرب خيبر. كذا في المراصد.
[٤] في هامش المراصد ما نصه: في الزبيدي: و ضبطه ابن الأثير بالحاء المهملة «صحيرات» واحده «صحرة» و هي أرض لينة تكون في وسط الحرة.
[٥] غران: منازل بنى لحيان، بين أمج و عسفان.
[٦] امج: ضبطها في المراصد بهمزة القطع، لا بالمد: أمج.