نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢٩٨ - الفصل الخامس فى ظواهر السنة الخامسة و ما فيها من الغزوات
رضى الله عنه، فلما دنا منهم جاء إليهم الخبر فتفرقوا، فهجم علي مشاتهم و رعاتهم، فأصاب من أصاب، و هرب من هرب، و نزل رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) بساحاتهم فلم يلق بها أحدا، و بعث السرايا فرجعت و لم تلق منهم أحدا، و رجعت كل سرية بإبل، و أخذ محمد بن مسلمة رجلا منهم و جاء به إلي النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فسأله رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) عنهم، فقال: هربوا حيث سمعوا أنك أخذت نعمهم. فعرض (صلّى اللّه عليه و سلّم) عليه الإسلام فأسلم.
و رجع (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى المدينة و لم يلق حربا.
* و في رجوعه وادع- أى صالح- عيينة بن حصن، و اسمه حذيفة الفزاري: أن يرعى بمحل بينه و بين المدينة ستة و ثلاثون ميلا؛ لأن أرضه كانت أجدبت، و لما سمن حافره و خفّه و انتقل إلى أرضه، عدا علي لقاح رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالغابة، و قيل له «عيينة» لأنه أصابته لقوة [١] فجحظت عيناه، فسمى عيينة، و عيينة هذا أسلم بعد الفتح و شهد حنينا و الطائف، و كان من المؤلّفة [٢]، و دخل علي النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بغير إذن و أساء الأدب فصبر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) علي جفوته، و قال فيه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «إن شر الناس من تركه الناس اتقاء فحشه» [٣]، و قيل إن ذلك إنما قيل في مخرمة بن نوفل، و لا مانع من تعدد ذلك. و قد ارتد عيينة بعد ذلك في زمن الصدّيق رضى الله عنه، فإنه لحق بطليحة بن خويلد حين تنبأ و آمن به، فلما هرب طليحة أسره خالد بن الوليد رضى الله عنه، و أرسل به إلى الصدّيق في وثاق، فلما دخل المدينة صار أولاد المدينة ينخسونه بالحديد، و يضربونه، و يقولون: أي عدوّ الله كفرت بالله بعد إيمانك، فيقول: و الله ما كنت آمنت. فمنّ عليه الصديق، فأسلم، و لم يزل مظهرا للإسلام.
* و في غيبته (صلّى اللّه عليه و سلّم) في هذه الغزوة ماتت أم سعد بن عبادة (عمرة بنت مسعود) من المبايعات، و كان ابنها رضى الله عنه معه (صلّى اللّه عليه و سلّم). و لما قدم (صلّى اللّه عليه و سلّم) المدينة صلّى
[١] اللّقوة: داء يعرض للوجه يعوجّ منه الشّدق.
[٢] هم جماعة من الصحابة كان الرسول (صلّى اللّه عليه و سلّم) يعطيهم من الأموال ليحببهم في الإسلام.
[٣] رواه أبو داود رضى الله عنه، و الترمذي عن عائشة بلفظ: «إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من تركه الناس اتقاء فحشه».