نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢٩٣ - غزوة بنى النضير
و قيل: هو إظهار الزينة و إبراز المحاسن للرجال تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى قيل إن الجاهلية الأولي: بين عيسى و محمد (عليهما الصلاة و السلام)، و قيل: هى زمن داود و سليمان (عليهما الصلاة و السلام)، كانت المرأة تلبس قميصا من الدروع غير مخيط من الجانبين، فيرى خلفها منه، و قيل: الجاهلية الأولى ما قبل الإسلام، و الجاهلية الأخرى يفعلون مثل فعلهم اخر الزمان، و قيل: قد تذكر الأولى و لا تستلزم أخرى كقوله تعالى: وَ أَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى (٥٠) [النجم: ٥٠]، و لم تكن لهم أخرى، و نزل فيها أيضا قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ [الأحزاب: ٥٣]، قال أكثر المفسرين: نزلت هذه الآية في شأن وليمة زينب بنت جحش حين بنى بها رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، قال أنس بن مالك رضى الله عنه: كنت ابن عشر سنين مقدم رسول الله) المدينة، فخدمته عشر سنين، و توفى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أنا ابن عشرين سنة، فكنت أعلم الناس بشأن الحجاب حين أنزل، و كان أوّل ما نزل في مبتنى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) بزينب بنت جحش، حين أصبح النبيّ بها عروسا فدعا القوم فأصابوا من الطعام ثم خرجوا، و بقى رهط عند النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأطالوا المكث، فقام رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و خرج و خرجت معه، لكى يخرجوا، فمشى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و مشيت حتّى جاء عتبة حجرة عائشة- رضى الله تعالى عنها- و ظن أنهم قد خرجوا، فرجع و رجعت معه، حتى إذا دخل على زينب، فإذا هم جلوس لم يقوموا، فرجع النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و رجعت معه، حتى إذا بلغ عتبة حجرة عائشة، و ظنّ أنهم خرجوا فرجع و رجعت معه، فإذا هم قد خرجوا، فضرب النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بينى و بينه الستر، و نزلت آية الحجاب.
قال أبو عثمان (و اسمه الجعد) عن أنس قال: فدخل- يعنى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)- البيت و أرخى الستر، و إنى لفى الحجرة و هو يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إلى قوله: وَ اللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِ [الأحزاب:
٥٣]، و هذا أدب من الله أدّب به الثقلاء. قال ابن عباس: نزلت في ناس من المسلمين كانوا يتحينون طعام رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فيدخلون عليه قبل الطعام إلى أن يدرك [١]، يأكلون و لا يخرجون، و كان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يتأذى بهم فنزلت الآية:
[١] أى ينضج الطعام.